فهرس الكتاب

الصفحة 729 من 1037

القرآن الكريم هو كلام رب العالمين نزل به الروح الأمين على سيد المرسلين ليكون منهجا للعالمين ، وأن في قراءته وتدبره تربية للنفس وأي تربية ، وفيه حياة للروح ، وأي حياة ، قال تعالى: { إن هو إلا ذكر للعالمين ، لمن شاء منكم أن يستقيم } [ التكوير:27 ، 28 ] ، وقال أيضا: { ذلك الكتاب لا ريب فيه هدى للمتقين } [ البقرة:1 ] ، وعن جابر بن عبد الله ـ رضي الله عنه ـ قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: القرآن شافع مشفع وما حل مصدق من جعله أمامه قاده إلى الجنة ومن جعله خلفه قاده إلى النار[ رواه ابن حبان في صحيحه والبيهقي في الشعب والطبراني في الكبير وابن سعد ، نقلا عن الألباني في سلسلة الأحاديث الصحيحة برقم 2019

ومن القرآن يأخذ المؤمن التصورات والأفكار والمبادئ الصحيحة عن نفسه وعن الكون وعن الحياة وعن الآخرة فيحيا كما يريد خالقه ، ومن القرآن يقتبس الطرق الناجحة لتربية النفس وإحياء الضمير

وإن من يريد أن يربي نفسه حري به أن يتعهدها بكتاب الله تلاوة وتدبرا وفهما وحفظا ، مبتعدا بذلك عن منهج أهل الزيغ والعصيان الذين هجروا كلام الرحمن ، ومن عاش في رحاب القرآن أصبح بمثابة قرآن يتحرك على الأرض ، ففيه منهج حياة لكل فرد في كل زمان ومكان

وما الحيرة والضياع التي يعيش فيها كثير من أفراد المسلمين إلا لأنهم ابتعدوا عن هذا النبع الأصيل ، ولذلك لا يستغرب أن ترى بعض المنتسبين للإسلام يمر عليهم الشهر والشهران والثلاثة ، بل السنة بأكملها ولم يقرأ جزءا أو سورة من سور المصحف الشريف ولم يتدبر معناها ولم يعمل بمقتضاها ، لا غرو أن أمثال هذا ممن يثقل كاهل الأمة ويكون عبئا عليها ، بينما نجد أن أهل القرآن العاملين به على العكس من ذلك فهم أهل الله وخاصته وبهم تقاس حضارة الأمة ، ولذا امتدحهم الرب سبحانه وتعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم ترغيبا لكل فرد أن يحذو حذوهم قال الله عز وجل: { إن الذين يتلون كتاب الله وأقاموا الصلاة وأنفقوا مما رزقناهم سرا وعلانية يرجون تجارة لن تبور ، ليوفيهم أجورهم ويزيدهم من فضله إنه غفور شكور } [ فاطر: 29 ، 30 ] وعن عثمان بن عفان ـ رضي الله عنه ـ قال: قال الرسول صلى الله عليه وسلم: خيركم من تعلم القرآن وعلمه [ البخاري: 3/346]

وعن عائشة ـ رضي الله عنها ـ قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: مثل الذي يقرأ القرآن وهو حافظ له مع السفرة الكرام البررة ومثل الذي يقرأ القرآن وهو يتعاهده وهو عليه شديد له أجران [ البخاري:3/39] ، وعن أبي أمامة الباهلي ـ رضي الله عنه ـ قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: اقرؤوا القرآن فإنه يأتي يوم القيامة شفيعا لأصحابه ... [ مسلم:1/533] ، وعن عبد الله بن عمرو بن العاص ـ رضي الله عنهما ـ عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: يقال لصاحب القرآن اقرأ وارتق ورتل كما كنت ترتل في الدنيا فإن منزلتك عند آخر آية تقرؤها [ الترمذي: 5/163 وقال حسن صحيح ]

إن هذه الخيرية التي ينالها المتصل بكتاب الله والرفعة التي يحظى بها في الدنيا والآخرة ، هي من بركات التوفيق لتربية الذات وتزكيتها

ومن شرع في القرآن فليكن شأنه الخشوع والتدبر والبكاء فبذلك تنشرح الصدور وتستنير القلوب وتسمو الأرواح ، ولكي يحظى قارئ القرآن بالتسديد والتوفيق والقبول ينبغي أن يتحلى بآدابه فلا يهذه كهذ الشعر ولا يسرح بخياله أثناء قراءته ولا يكن همه لآخر السورة ، وإنما يقف متدبرا لمعانيه متفكرا في وعده ووعيده عاملا بأوامره منتهيا عن نواهيه ، وهذا لا يتنافى مع الندب إلى الإكثار من تلاوة القرآن والمحافظة على ذلك

ولحرص السلف رضوان الله عليهم على تربية ذواتهم بقراءة القرآن وتدبره ، فقد كانت لهم عادات مختلفة في قدر ما يختمون به ، فروي أنهم كانوا يختمون في كل شهرين ختمة واحدة ، وروي عن بعضهم في كل شهر ختمة ، وعن بعضهم في كل عشر ليال ختمة ، أو في كل ثمان ليال ، ومنهم من زاد على ذلك أو أنقص (1)

كما استحب العلماء أن يختم القارئ في السنة مرتين على الأقل وذلك قياسا على أن النبي صلى الله عليه وسلم عرض القرآن مرتين على جبريل عليه السلام في السنة التي قبض فيها (2)

ولكن الأولى من هذا أن يقال أن مقدار القراءة يعتمد على حال كل شخص بذاته ، يقول الإمام النووي ـ رحمه الله ـ: المختار أن ذلك يختلف باختلاف الأشخاص ،فمن كان يظهر له بدقيق الفكر لطائف ومعارف فليقتصر على قدر يحصل له معه كمال فهم ما يقرأ وكذلك من كان مشغولا بنشر العلم أو فصل الحكومات أو غير ذلك من مهمات الدين والمصالح العامة فليقتصر على قدر لا يحصل بسببه إخلال بما هو مرصد له ولا فوات كماله ، وإن لم يكن من هؤلاء المذكورين فليكثر ما أمكنه من غير خروج إلى حد الملل أو الهذرمة في القراءة (1)

والقصد من إيراد من قول النووي بيان أن تربية النفس بقراءة القرآن لا تكون بكثرة القراءة فقط ولكن قد تحصل التربية الذاتية بقراءة آيات قليلة مع تدبر معانيها واستخراج كنوزها ، ويمكن للقارئ أن يحرز ذلك بسؤال أهل العلم أو بالرجوع إلى التفاسير المعتمدة لدى أهل السنة والجماعة

2ـ ذكر الله تعالى:

بين العلماء أن للذكر نوعين هما:

الأول: ذكر أسماء الرب وصفاته والثناء عليه بهما وتنزيهه وتقديسه عما لا يليق به تبارك وتعالى ، وهذا النوع ينقسم إلى قسمين:

أ ـ إنشاء الثناء عن الذاكر مثل قول سبحان الله والحمد لله والله أكبر ولا إله إلا الله ولا حول ولا قوة إلا بالله

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت