فهرس الكتاب
ب ـ الثناء على الله بما أثنى به على نفسه وبما أثنى به عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم من غير تحريف ولا تعطيل ولا تشبيه ولا تمثيل ، مثل الخبر عن سمع الله وبصره وعلمه عز وجل بما ثبت في الكتاب والسنة
الثاني: ذكر أمره ونهيه وأحكامه وله قسمان أيضا:
أ ـ الإخبار بأنه أمر بكذا ونهى عن كذا وبأنه أحب كذا أو كره كذا
ب ـ ذكر الله عند أمره فيبادر إليه وعند نهيه فيهرب منه [ ابن القيم: 1406 ، 178ـ 181 ]
فيشمل ذكر الله ترديد كل ما ثبت من الأدعية والأذكار ويشمل حضور مجالس الذكر في المساجد والبيوت وغيرها من الأماكن ، ويشمل أيضا بيان حكم الله عز وجل فيما يواجه الناس من أقضية وأحكام ، هذا بالإضافة إلى المبادرة إلى تنفيذ ما أمر الله به واجتناب ما نهى عنه خاصة عند تذكر قدرة الله وعظمته وما أعده للأبرار من نعيم وللفجار من جحيم ، وذكر الله مما ينبغي أن يتحلى به المسلم ويتشبث به سواء كان لوحده أو مع غيره ، قال تعالى { إن في خلق السموات والأرض واختلاف الليل والنهار لآيات لأولي الألباب ، الذين يذكرون الله قياما وقعودا وعلى جنوبهم ويتفكرون في خلق السموات والأرض ربنا ما خلقت هذا باطلا سبحانك فقنا عذاب النار } [ آل عمران: 190، 191 ]
وعن أبي هريرة ـ رضي الله عنه ـ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: يقول اله تعالى: أنا عند حسن ظن عبدي بي وأنا معه حين يذكرني إن ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي وإن ذكرني في ملإ ذكرته في ملإ هم خير منهم ، وإن تقرب مني شبرا تقربت إليه ذراعا وإن تقرب إلي ذراعا تقربت منه باعا وإن أتاني يمشي أتيته هرولة [ مسلم: 4/2061 ]
إن لذكر اله أثر عظيم في تربية الذات وتحريك الضمير لأن دوام ذكره تعالى يربي في النفس مقام مراقبة الله في السلوك والتصرفات ، قال تعالى { إنما المؤمنون الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم وإذا تليت عليهم آياته زادتهم إيمانا وعلى ربهم يتوكلون } [ الأنفال: 2 ] وإنه ما من شك في أن اتخاذ ذكر الله بجميع أنواعه أسلوبا في حياة الفرد يعد من أنجح الأساليب في التربية الذاتية ، بالإضافة إلى أهمية هذا الأسلوب في تربية الأمة ، ومن لا يتخذ هذا الأسلوب فسيدع مجالا لشياطين الإنس والجن وأعوانهما كي تذكر وتنشر ، ومن ثم سيصير ـ والعياذ بالله ـ من الذين ذمهم الله تعالى فقال فيه: { وإذا ذكر الله وحده اشمأزت قلوب الذين لا يؤمنون بالآخرة وإذا ذكر الذين من دونه إذا هم يستبشرون } [ الزمر: 45 ] ، وقال تعالى: { ومن يغش عن ذكر الرحمن نقيض له شيطانا فهو له قرين } [ الزخرف: 36 ]
وقد حث المصطفى صلى الله عليه وسلم على مداومة الذكر في أحاديث كثيرة ، عن معاذ ـ رضي الله عنه ـ قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ألا أخبركم بخير أعمالكم وأزكاها عند مليككم وأرفعها في درجاتكم وخير لكم من إنفاق الذهب والورق وخير لكم من أن تلقوا عدوكم فتضربوا أعناقهم ويضربوا أعناقكم ؟ قالوا: بلى ، قال: ذكر الله تعالى [ الترمذي: 5/428 ]
وعن معاذ أيضا قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما عمل آدمي عملا قط أنجى له من عذاب الله من ذكر الله [ أحمد: 5/239 وصححه الألباني في صحيح الجامع رقم 5520 ]
وبين العلامة الجهبذ ابن القيم أن للذكر نحوا من مائة فائدة ، وينصح الباحث كل مهتم بتربية نفسه أن يراجع تلك الفوائد فإن فيها نفائس جمة ودررا عظيمة لا تكاد توجد عند غيره ، ومن ذلك أنه أورد روايات وأقوالا عدة عن سلف هذه الأمة في بيان أثر هذا الذكر على نفوسهم وأرواحهم ، قال رحمه الله: وحضرت شيخ الإسلام ابن تيمية مرة صلى الفجر ثم جلس يذكر الله تعالى إلى قريب من انتصاف النهار ثم التفت إلي وقال: هذه غدوتي ولو لم اتغذ هذا الغذاء سقطت قوتي ... ، وقال لي مرة: لا أترك الذكر إلا بنية إجمام نفسي وإراحتها لأستعد بتلك الراحة لذكر آخر ، ... ، وسمعت شيخ الإسلام يقول: إن في الدنيا جنة من لم يدخلها لا يدخل جنة الآخرة ، ...وقال أيضا: ما يصنع أعدائي بي ؟ أنا جنتي وبستاني في صدري إن رحت فهي معي لا تفارقني إن حبسي خلوة وقتلي شهادة وإخراجي من بلدي سياحة (1)
ومن الأقوال العظيمة في هذا الباب قول أحدهم: لو علم الملوك وأبناء الملوك ما نحن فيه لجالدونا عليه بالسيوف ، وقال آخر: مساكين أهل الدنيا خرجوا منها وما ذاقوا أطيب ما فيها ، محبة الله تعالى ومعرفته وذكره (2)
وشكا رجل للحسن البصري قسوة قلبه فقال أدبه بالذكر (3)
ونختم بما قاله ابن القيم عن أثر الذكر في التربية الذاتية ، قال رحمه الله: ولا ريب أن القلب يصدأ كما يصدأ النحاس والفضة وغيرهما وجلاؤه بالذكر فإنه يجلوه حتى يدعه كالمرآة البيضاء فإذا ترك الذكر صدئ فإذا ذكره جلاه ، وصدأ القلب بأمرين: بالغفلة والذنب وجلاؤه بشيئين: بالاستغفار والذكر (4)
وفي ذكر الله بجميع أنواعه تكثير للحسنات ورفع للدرجات ، وهذا ما يسعى إليه العبد من تربية ذاته
3ـ قيام الليل:
يقول تعالى: { وهو الذي جعل الليل والنهار خلفة لمن أراد أن يذكر أو أراد شكورا } [ الفرقان: 62 ]