فهرس الكتاب

الصفحة 731 من 1037

ففي تعاقب الليل والنهار حكمة عظيمة وفي كل منهما عمل لا يصلح في الوقت الآخر أو على الأقل لا ينضبط تماما ، مثلا النوم في الليل ليس كالنوم في النهار ، وطلب المعاش في وقت النهار ليس كطلبه في العتمة ، قال تعالى: { وجعلنا الليل لباسا ، وجعلنا النهار معاشا } [ النبأ: 10 ، 11 ] كما أن أي خلل يطرأ على دورة الضياء ودورة الظلام ..على دورة الليل والنهار سيؤثر على ما يسمى بالساعة الداخلية في الإنسان التي تسيطر على دورته اليومية ، تلك الساعة التي تأقلمت واعتمدت على دورة الليل ودورة النهار .. دورة الضوء ودورة الظلام الطبيعية (1)

ولذلك كان من رحمة الله أن أوجد الليل والنهار يعمل الفرد فيهما بما يناسبهما كما يعملان فيه ، قال تعالى: { ومن رحمته جعل لكم الليل والنهار لتسكنوا فيه ولتبتغوا من فضله ولعلكم تشكرون } [ القصص: 73 ]

إنها لنعمة عظيمة جدا ينبغي للمسلم أن يشكر المنعم عليها ، ومن شكر هذه النعمة أن ينظم المسلم وقته وحياته وفق هذه السنة الكونية ما استطاع إلى ذلك سبيلا ، فهناك عبادات وأمور تؤدى في الليل وأخرى تؤدى في النهار والأولى أن يؤدي كل في وقته

ومن الأمور التي حث الشرع عليها قيام الليل ويقصد به صلاة النافلة وقت منام الخلق وخاصة في الهزيع الأخير من الليل ، ويقال له: التهجد وهو ما كان بعد نوم ، يقول تعالى مخاطبا نبيه صلى الله عليه وسلم: { ومن الليل فتهجد به نافلة لك عسى أن يبعثك ربك مقاما محمودا } [ الإسراء: 79 ] وفي موضع آخر يقول تعالى: { إن ناشئة الليل هي أشد وطئا وأقوم قيلا } [ المزمل: 6 ] والمقصود من ذلك أن قيام الليل هو أنسب الأوقات لاستجماع الفكر وتفهم القراءة حيث لا شاغل ولا صارف عن ذلك (2)

وإذا تدبر المرء ما يتلو من آيات في ظلمة الليل البهيم والناس نيام كان ذلك أدعى للتدبر والتفكر ولأن تؤتي القراءة ثمارها اليانعة ، وقد رغب الرسول صلى الله عليه وسلم في قيام الليل في أحاديث كثيرة نذكر بعضا منها:

عن أبي هريرة ـ رضي الله عنه ـ قال: قلت: يا رسول الله أخبرني بشيء إذا عملت به دخلت الجنة ، قال: أفش السلام وأطعم الطعام وصل الأرحام وقم بالليل والناس نيام وادخل الجنة بسلام

[ أحمد: 2/295 وصححه الألباني برقم 1096 في صحيح الجامع ]

وعن أبي مالك الأشعري ـ رضي الله عنه ـ عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: إن في الجنة غرفا يرى ظاهرها من باطنها وباطنها من ظاهرها أعدها الله تعالى لمن أطعم الطعام وألان الكلام وتابع الصيام وصل بالليل والناس نيام

[ أحمد: 5/343 وصححه الألباني في صحيح الجامع برقم 2119 ]

وأورد المروزي بسنده عن بلال ـ رضي الله عنه ـ قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: عليكم بقيام الليل فإنه دأب الصالحين قبلكم وإن قيام الليل قربة إلى الله وتكفير للسيئات ومنهاة عن الإثم ومطردة للداء عن الجسد (1)

[ رواه أحمد وصححه الألباني في صحيح الجامع برقم 3958 ]

وعن أبي هريرة ـ رضي الله عنه ـ عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: أفضل الصلاة بعد الصلاة المكتوبة الصلاة في جوف الليل وأفضل الصيام بعد شهر رمضان صيام شهر المحرم [ مسلم: 2/821]

وقد شهد عليه الصلاة والسلام لمن يقوم الليل بسلامته من الإثم والفجور فقال: جعل الله عليكم صلاة قوم أبرار يقومون الليل ويصومون النهار ليسوا بأثمة ولا فجار ، [ رواه عبد بن حميد ، نقلا عن الألباني في صحيح الجامع برقم 3092]

ومن ابتغى الشرف والرفعة فليداوم على صلاة الليل لقوله عليه السلام: شرف المؤمن صلاته بالليل وعزه استغناؤه عما في أيدي الناس

[ رواه الخطيب والعقيلي ، نقلا عن الألباني في صحيح الجامع برقم 3604]

ما أكثر الفوائد التي يجنيها الفرد من قيام الليل لتربية ذاته وصلاح حاله ولعل من أهم الثمار التي يتحصل عليها هي تنمية وازع الإخلاص الذي هو أحد شرطي قبول العمل ، وفي قيام الليل يربي الإنسان نفسه على تحقيق الشرط الثاني من شرطي قبول العمل وهو المتابعة حيث ثبت أن نبينا محمد صلى الله عليه وسلم كان يقوم من الليل حتى تتفطر قدماه ، أضف إلى ذلك أن من تدبر القرآن أثناء هجوع الناس أحس بتقصيره وندم على تفريطه ، ومن خشع في القراءة والصلاة سالت منه عبرات التوبة والندم ، وإذا ذكر الله خاليا ففاضت عيناه حشره رب العزة والجلال في ظل عرشه يوم لا ظل إلا ظله ولا عفو إلا عفوه

وحين ينصرف الناس إلى محبوبيهم من أهل الدنيا يتوسطون لهم لقضاء حاجاتهم ، يثوب المؤمن إلى ربه مخبتا ويصلي من الليل ما شاء الله له أن يصلي ويدعو ما شاء الله له أن يدعو عله أن يقضي له حوائجه ويغفر له ذنوبه أو يدخرها له إلى أن يلقاه ، ويدعو الله بأن يؤتي نفسه تقواها ويزكيها ويخلصها من شرورها وآثامها ، عن أبي هريرة ـ رضي الله عنه ـ عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ينزل ربنا عز وجل كل ليلة إلى السماء الدنيا حين يبقى ثلث الليل فيقول: من يدعوني فأستجيب له ؟ من يسألني فأعطيه ؟ من يستغفرني فأغفر له ؟

[ أحمد: 2/487 ، وصححه الألباني في صحيح الجامع برقم 8024]

وبعد كدح النهار والسعي لجلب لقمة العيش يأوي الناس إلى فرشهم الدافئة ، ويلتذ أهل المعاصي بشهواتهم ومعاصيهم كما يلتذ المؤمن بالوقوف بين يدي ربه لمناجاته والتزود لاستقبال يوم جديد على عمله شهيد ، والزاد الإيماني ضروري جدا لمواصلة العطاء وتحمل التبعات والتكاليف التي حملها الإنسان وذلك يحتاج إلى استعداد طويل ، يقول سيد قطب ـ رحمه الله ـ:

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت