فهرس الكتاب

الصفحة 732 من 1037

وإن الاستقامة على هذا الأمر بلا تردد ولا ارتياب ولا تلفت هنا أو هناك وراء الهواتف والجواذب والمعوقات لثقيل يحتاج إلى استعداد طويل ، وإن قيام الليل والناس نيام والانقطاع عن غبش الحياة اليومية وسفسافها والاتصال بالله وتلقي فيضه ونوره والأنس بالوحدة معه والخلوة إليه وترتيل القرآن والكون ساكن وكأنما يتنزل من الملأ الأعلى وتتجاوب به أرجاء الوجود في لحظة الترتيل بلا لفظ بشري ولا عبارة ، واستقبال إشعاعاته وإيحاءاته وإيقاعاته في الليل الساجي ... , إن هذا كله هو الزاد لاحتمال القول الثقيل والعبء الباهظ والجهد المرير الذي ينتظر الرسول وينتظر من يدعو بهذه الدعوة في كل جيل ، وينير القلب في الطريق الشاق الطويل ويعصمه من وسوسة الشيطان ومن التيه في الظلمات الحافة بهذا الطريق المنير ... وإن في مغالبة هتاف النوم وجاذبية الفراش بعد كد النهار أشد وطأ وأجهد للبدن ولكنها إعلان لسيطرة الروح واستجابة لدعوة الله وإيثار للأنس به (1)

ولا عجب أن يكون التأكيد الإلهي بالمحافظة على هذه الشعيرة والترغيب فيها حتى في الحالات التي يعيا فيها المرء من شغل النهار ويرنو للاسترخاء والاستراحة ، قال تعالى: { فإذا فرغت فانصب ، وإلى ربك فارغب } [ الشرح:7 ، 8 ] ولا عجب أيضا أن يكون الجزاء الأخروي كبير جدا ، بل لا يعلم مداه إلا الله ، قال تعالى: { تتجافى جنوبهم عن المضاجع يدعون ربهم خوفا وطمعا ومما رزقناهم ينفقون ، فلا تعلم نفس ما أخفي لها من قرة أعين جزاء بما كانوا يعلمون } [ السجدة: 16 ، 17 ]

وقد كان سلفنا الصالح ـ رضوان الله عليهم ـ من رواد مدرسة الليل وكانوا بحق رهبانا في الليل فرسانا في النهار وعلى أيديهم انتشر النور وعم الضياء فزكوا أنفسهم وزكوا غيرهم

يقول أحد التربويين: وأكثر من هذا فإن من يتخرج من مدرسة الليل يؤثر في الأجيال التي بعده إلى ما شاء الله ، والمتخلف عنها يابس تقسو قلوب الناظرين إليه والدليل عند بشر بن الحارث الحافي منذ القديم شاهده وأرشدك إليه فقال: بحسبك أن قوما موتى تحيا القلوب بذكرهم وإن قوما أحياء تقسو القلوب برؤيتهم ، فلم كان ذلك إن لم يكن ليل الأولين يقظة وليل غيرهم نوما ؟ ونهار الأولين جدا ونهار الآخرين شهوة ؟ (2)

وحسبنا شاهدا على هدي سلف الأمة في قيام الليل مقالة الحسن البصري ـ رحمه الله ـ عنهم حيث يقول: لقد صحبت أقواما يبيتون لربهم في سواد هذا الليل سجدا وقياما ، يقومون هذا الليل على أطرافهم تسيل دموعهم على خدودهم ، فمرة ركعا ومرة سجدا يناجون ربهم في فكاك رقابهم ، لم يملوا طول السهر لما خالط قلوبهم من حسن الرجاء في يوم المرجع فأصبح القوم مما أصابوا من النصب لله في أبدانهم فرحين وبما يأملون من حسن ثوابه مستبشرين ، فرحم الله امرأ نافسهم في مثل هذه الأعمال ولم يرض لنفسه من نفسه بالتقصير في أمره واليسير من فعله فإن الدنيا عن أهلها منقطعة والأعمال على أهلها مردودة (1)

ودقائق الليل الغالية لم تفلت من قريحة الشعراء فهي عندهم ليست برخيصة ولذا أوسعت إنشادا وتقريضا ، يقول ابن القيم في وصف رجال الليل الذين يغتنمون تلك الدقائق:

يحيون ليلهم بطاعة ربهم بتلاوة وتضرع وسؤال

وعيونهم تجري بفيض دموعهم مثل انهمال الوابل الهطال

في الليل رهبان وعند جهادهم لعدوهم من أشجع الأبطال

بوجوههم أثر السجود لربهم وبها أشعة نوره المتلالي

ويعتبر قيام الليل مدرسة عظيمة تعلم تلاوة القرآن بخشوع وتدبر ، وهي تربي في الفرد مداومة ذكر الله والإخلاص في عبادته وتشد القلب إلى خالقه

ومدرسة الليل مفتوحة لكل فرد أن ينضم إليها فيقتبس الدروس العظيمة والمعاني الكبيرة في تربية الذات ، والانتظام بهذه المدرسة لا يكلف شيئا إلا مجاهدة النفس من أجل مصلحتها وهى من أجل تربيتها وتقويمها

ثانيا: المحاسبة

يقتضي مبدأ المسئولية والجزاء الذي مر ذكره ضمن مبادئ التربية الذاتية ، أن يحاسب المرء نفسه ويراقبها على الدوام كي لا تحيد ولا تميل عن الجادة المثلى

قال تعالى: { ووضع الكتاب فترى المجرمين مشفقين مما فيه ويقولون يا ويلتنا مال هذا الكتاب لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها ووجدوا ما عملوا حاضرا ولا يظلم ربك أحدا } [ الكهف: 49 ]

ويقول أيضا: { يوم يبعثهم الله جميعا فينبئهم بما عملوا أحصاه الله ونسوه والله على كل شيء شهيد } [ المجادلة: 6 ]

ويقول: { ونضع الموازين القسط ليوم القيامة فلا تظلم نفس شيئا وإن كان مثقال حبة من خردل أتينا بها وكفى بنا حاسبين } [ الأنبياء: 47 ]

فينبغي أن يضع الفرد المسلم المحاسبة نصب عينيه استعدادا للسؤال وترقبا لما بعده من أهوال ، والمحاسبة هي ذلك الميزان الدنيوي الذي يستخدمه المرء المسلم لتصحيح مساره وتعديل سلوكه مستضيئا في ذلك بهدي الكتاب والسنة ، ويعرفها الحارث المحاسبي بأنها: التثبت في جميع الأحوال قبل الفعل والترك من العقد بالضمير أو الفعل بالجارحة ، حتى يتبين له ما يترك وما يفعل ، فإن تبين له ما كره الله عز وجل جانبه بعقد ضمير قلبه وكف جوارحه عما كرهه الله عز وجل ومنع نفسه من الإمساك عن ترك الفرض وسارع إلى أدائه (1)

وقيل هي: التمييز بين ما للمرء وما عليه فيستصحب ما له ويؤدي ما عليه (2)

أهميتها:

إن هذا الأسلوب ـ أي أسلوب المحاسبة ـ مهم جدا ومع ذلك لم يفطن إليه إلا من وفقه الله ، والله سبحانه وتعالى ينادي عباده المؤمنين مطالبا إياهم بذلك فيقول: { يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله ولتنظر نفس ما قدمت لغد واتقوا الله إن الله خبير بما تعلمون } [ الحشر: 18 ]

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت