فهرس الكتاب
والمعنى أن ينظر كل امرئ وليتفكر فيما يقوم به من أعمال: أهي من الصالحات المنجيات أم من السيئات الموبقات وذلك استعدادا ليوم الحساب والمجازاة ، وإذا استطاع الإنسان أن يحاسب نفسه ويراقبها في تصرفاتها وحركاتها وسكناتها فإن هذه مظنة الاستقامة والسير على الصراط المستقيم ومن ثم الفوز بجنات النعيم ، وهذه الأمنية هي غاية ما يتمنى المسلم من تربية ذاته
قال تعالى: { إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا تتنزل عليهم الملائكة ألا تخافوا ولا تحزنوا وأبشروا بالجنة التي كنتم توعدون ، نحن أولياؤكم في الحياة الدنيا وفي الآخرة ولكم فيها ما تشتهي أنفسكم ولكم فيها ما تدعون } [ فصلت: 30-32]
وتعد منزلة المحاسبة من أفضل المراتب لأنها تحتاج إلى مراقبة دائمة ومجاهدة مستمرة للنفس الإنسانية ، قال تعالى: { والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا وإن الله لمع المحسنين } [ العنكبوت: 69 ] وعن فضالة بن عبيد قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: المجاهد من جاهد نفسه في سبيل الله عز وجل
[ أحمد: 6/22، وجود الألباني إسناده في الصحيحة برقم 1496]
ومن فوائد هذا الأسلوب أيضا أنه يربي الضمير في داخل النفس وينمي في الذات الشعور بالمسئولية ووزن الأعمال والتصرفات بميزان دقيق هو ميزان الشرع
نماذج قولية وعملية:
عرف سلفنا الصالح أهمية هذه المنزلة فحققوها في أنفسهم وحثوا غيرهم عليها مما حدا بهم أن يؤلفوا الرسائل والتصنيفات المستقلة لإيراد النماذج القولية والعملية عنها ، وقد ورد عن سلفنا الصالح مواقف شتى في تطبيق أسلوب المحاسبة ، فهذا عمر بن الخطاب ـ رضي الله عنه ـ يقول مبينا أهمية هذا الأسلوب: حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا وزنوا أنفسكم قبل أن توزنوا فإنه أهون في الحساب غدًا أن تحاسبوا أنفسكم اليوم ، وتزينوا للعرض الأكبر ، يومئذ تعرضون لا تخفى منكم خافية (1)
وإذا أتينا إلى التطبيق العملي نجد هذا الخليفة العادل يقيم الحجة في محاسبة النفس على كل الرعاة والدعاة والمربين وغيرهم ، عن أنس بن مالك ـ رضي الله عنه ـ قال: سمعت عمر بن الخطاب ـ رضي الله عنه ـ يوما وخرجت معه حتى دخل حائطا فسمعته يقول وبيني وبينه جدار وهو في جوف الحائط: عمر أمير المؤمنين بخ بخ والله بني الخطاب لتتقين الله أو ليعذبنك (2)
ويعتبر ميمون بن مهران المحاسبة ميزانا للتقوى فيقول: لا يكون الرجل تقيا حتى يكون لنفسه أشد محاسبة من الشريك لشريكه (3)
وعن أهمية تخصيص وقت المحاسبة وأثرها في حياة الفرد يقول وهب بن منبه: مكتوب في حكمة آل داود: حق على العاقل ألا يغفل عن أربع ساعات: ساعة يناجي فيها ربه ، وساعة يحاسب فيها نفسه ، وساعة يخلو فيها مع إخوانه الذين يخبرونه بعيوبه ويصدقونه عن نفسه ، وساعة يخلو فيها بين نفسه وبين لذاتها فيما يحل ويحمد ، فإن هذه الساعة عونا على تلك الساعات وإجماما للقلوب (4)
ومن حاسب نفسه في الدنيا هان الحساب عليه في الآخرة كما يقول الحسن: أيسر الناس حسابا يوم القيامة الذين يحاسبون أنفسهم في الدنيا فوقفوا عند همومهم وأعمالهم ، فإن كان الذي هموا به لهم مضوا ، وإن كان الذي هموا به عليهم أمسكوا .. وإنما يثقل الأمر يوم القيامة على الذين جازفوا الأمور في الدنيا أخذوها من غير محاسبة فوجدوا الله عز وجل قد أحصى عليهم مثاقيل الذر (1)
ويصف الإمام الغزالي أرباب القلوب المنيبة وذوي الضمائر الحية الذين اتخذوا هذا الأسلوب نهجا في حياتهم: فعرف أرباب البصائر من جملة العباد أن الله تعالى لهم بالمرصاد ، وأنهم سيناقشون في الحساب ويطالبون بمثاقيل الذر من الخطرات واللحظات وتحققوا أنه لا ينجيهم من هذه الأخطار إلا لزوم المحاسبة وصدق المراقبة ومطالبة النفس في الأنفاس والحركات ومحاسبتها في الخطرات واللحظات ، فمن حاسب نفسه قبل أن يحاسب خف في القيامة حسابه وحضر عند السؤال جوابه وحسن منقلبه ومآبه ، ومن لم يحاسب نفسه دامت حسراته وطالت في عرصات القيامة وقفاته وقادته إلى الخزي والمقت سيئاته (2)
وفيما يلي نورد مزيدا من النماذج العملية في المحاسبة الذاتية:
ـ أورد ابن أبي الدنيا بسنده قال: كان توبة بن الصمة بالرقة وكان محاسبا لنفسه فإذا هو ابن ستين فحسب أيامها فإذا هي أحد وعشرون ألفا يوم وخمسمائة يوم فصرخ وقال: يا ويلتى ألقى المليك بأحد وعشرين ألف ذنب ، كيف وفي كل يوم عشرة آلاف ذنب ؟ ثم خر مغشيا عليه (3)
ـ وأورد أيضا بسنده عن إبراهيم التيمي قال: مثلت نفسي في الجنة آكل من ثمارها وأشرب من أنهارها وأعانق أبكارها ، ثم مثلت نفسي في النار آكل من زقومها وأشرب من صديدها وأعالج سلاسلها وأغلالها فقلت لنفسي: أي شيء تريدين ؟ قالت: أريد أن أرد إلى الدنيا فأعمل صالحا ، قال: فقلت: فأنت في الأمنية فاعملي (4)
ـ ويروي الغزالي ( د . ت ) قال: حكى صاحب للأحنف ابن قيس قال: كنت أصحبه فكان عامة صلاته بالليل الدعاء ، وكان يجئ إلى المصباح فيضع أصبعه فيه حتى يحس بالنار ثم يقول لنفسه: يا حنيف ما حملك على ما صنعت يوم كذا ؟ ما حملك على ما صنعت يوم كذا (1)
أنواعها:
ذكر ابن القيم ـ رحمه الله ـ أن للمحاسبة نوعين هما: نوع قبل العمل ونوع بعده ، فأما النوع الأول: فهو أن يقف عند أول همه وإرادته ولا يبادر بالعمل حتى يتبين له رجحانه على تركه ، والنوع الثاني محاسبة النفس بعد العمل وهو ثلاثة أنواع هي:
أ ـ محاسبتها على طاعة قصرت فيها من حق الله فلم تؤدها كما ينبغي
ب ـ محاسبتها على كل عمل كان تركه خيرا له من فعله
ج ـ محاسبتها على الأمور المباحة أو المعتادة لم فعلها
[ ابن القيم ، 1381هـ ، ص1/97ـ99]