فهرس الكتاب

الصفحة 735 من 1037

ويقول ابن كثير ـ رحمه الله ـ وعدهم أنهم إذا فعلوا ذلك أثابهم عليه بأن يصلح لهم أعمالهم أي يوفقهم للأعمال الصالحة وأن يغفر لهم الذنوب الماضية وما قد يقع في المستقبل يلهمهم التوبة منها (2) ، وفي ذلك صلاح لأمري الدنيا والآخرة كما قال تعالى: { يا أيها الذين آمنوا إن تتقوا الله يجعل لكم فرقانا ويكفر عنكم سيئاتكم ويغفر لكم والله ذو الفضل العظيم } [ الأنفال: 29 ] وبين عليه الصلاة والسلام أهمية التقوى عندما سئل عن أكثر ما يدخل الناس الجنة فقال: التقوى وحسن الخلق . [ ابن ماجة: 2/1418 ، وقال الترمذي: حديث حسن ] ويقول أيضا: احفظ الله يحفظك ، احفظ الله تجده تجاهك . [ أحمد: 1/307 ] وحفظ الله هو تقواه بحفظ حدوده وحقوقه وأوامره ونواهيه أي بفعل الواجبات جميعا وترك المحرمات كلها (3)

ومن ميزات هذا الأسلوب أنه ينشئ داخل حس الإنسان رقابة ذاتية تشعره بالمسئولية المطلقة أمام الله ليكون حارسا أمينا لنظام الحياة الذي ارتضاه لعباده وطالب كل فرد بتطبيقه فلا يحيد عنه قيد أنملة .

إن تقوى الله هو عقد متفرقات جميع أساليب التربية الذاتية ، وهي الرابطة أو الحلقة التي ينبغي أن يحيط بها العبد عند الهم بأي من تلك الأساليب . وتشبه المحاسبة من جوانب عدة مثل العلم قبل العمل وعدم معرفة المخلوقين بها . وربما يكون الفرق بينهما أن المحاسبة تكون غالبا بعد أداء العمل بينما تقع التقوى قبله .

حقيقة التقوى:

التقوى هي وصية الله إلى الأولين والآخرين ، قال تعالى { ولقد وصينا الذين أوتوا الكتاب من قبلكم وإياكم أن اتقوا الله } [ النساء: 131 ] وهذه الوصية العظيمة جامعة لحقوق الله وحقوق عباده . ويورد الباحث فيما يلي جملة من أقوال السلف الصالح في بيان حقيقة التقوى:

قال ابن عمر: لا يبلغ العبد حقيقة التقوى حتى يدع ما حاك في الصدر

[ البخاري: 1/19 ]

سئل علي بن أبي طالب عن التقوى فقال: هي الخوف من الجليل والعمل بالتنزيل والقناعة بالقليل والاستعداد ليوم الرحيل (1)

وقال ابن مسعود رضي الله عنه: اتقوا الله حق تقاته أي أن يطاع فلا يعصى ويذكر فلا ينسى وأن يشكر فلا يكفر .

وقال عمر بن عبد العزيز: هي ترك ما حرم الله وأداء ما افترض الله فما رزق الله بعد ذلك فهو خير إلى خير .

وقال طلق بن حبيب: التقوى أن تعمل بطاعة الله على نور من الله ترجو ثواب الله ، وأن تترك معصية الله على نور من الله تخشى عقاب الله .

وقال ابن المعتز ناظما (2) :

خل الذنوب صغيرها وكبيرها ذاك التقى

واصنع كماش فوق أرض الشوك يحذر ما يرى

لا تحقرن صغيرة إن الجبال من الحصى

فحقيقة التقوى إذن أنها كلمة جامعة لفعل الطاعات وترك المعاصي الكبير منها والصغير والجليل والحقير .

وهي في جملتها تكتنف النفس المؤمنة من الداخل بحيث ينبع الخير منها دون ضغوط خارجية ، وتنفر من الشر بلا قسر أو إكراه .

ثمرة التقوى:

إن في التزام التقوى فلاح الدنيا والآخرة ، ويفصل الباحث فيما يلي بعض ثمار التقوى اقتباسا مما جاء في القرآن الكريم والسنة المطهرة:

1ـ تكفير السيئات ومضاعفة الحسنات .

2ـ تحقيق معية الله وحفظه .

3ـ الحصول على الإلهام والرشد والتوفيق في جميع الأمور .

4ـ القدرة على التمييز بين الحق والباطل والهدى والضلال .

5ـ تفريج الهموم وتنفيس الكروب .

6ـ تيسير سبل الرزق .

7ـ الاستعداد لملاقاة رب العباد .

8ـ التمكين في الأرض وتعبيد البشر لرب العالمين .

9ـ النجاة من عذاب جهنم ومن أهوال يوم القيامة .

10ـ الفوز برضى الرحمن ونيل أعلى درجات الجنان .

إن هذه الفوائد وغيرها مما يتمنى كل فرد بذاته أن يحظى بها ، ولكن ليس الحصول عليها بالتمني وإنما ببلوغ درجة المتقين .

تحقيق التقوى:

إن تحقيق هذا الأسلوب العظيم - التقوى - يتطلب الاتصاف بخصال المتقين التي وردت في الكتاب والسنة وهي كثيرة جدا ، يذكر الباحث طرفا منها .

قال تعالى: { آلم * ذلك الكتاب لا ريب فيه هدى للمتقين * الذين يؤمنون بالغيب ويقيمون الصلاة ومما رزقناهم ينفقون * والذين يؤمنون بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك وبالآخرة هم يوقنون * أولئك على هدى من ربهم وأولئك هم المفلحون }

[ البقرة: 1-5 ]

فمن أخص خصائصهم الإيمان بالغيب لأنه يجعل من ضمير الإنسان رقيبا ذاتيا يحصي عليه جميع حركاته وسكناته وتصرفاته . يقول أحد العلماء - رحمه الله -: فالمؤمن بالغيب على الحقيقة هو الذي يستشعر دائما مشاهد يوم القيامة . وكل ما يرى في الدنيا من صنوف اللذات والنعيم يذكر به نعيم الجنة الذي هو خير منه وأبقى فيبادر إلى الأعمال الصالحة ويكون إنسانا صالحا ، وكل ما يرى في دنيا من أصناف الشرور وحر النار يذكر به عذاب جهنم وشدة حرها فيرتدع عن الشهوات ويكبح نفسه عن جماحها ولا يطلق لها أنانيتها من أنواع الطمع والشره في مال أو عرض أو أي نوع من أنواع التسلط والاغتصاب ... (1) .

ومن صفاتهم أيضا أنهم أوابون رجاعون إلى الحق إذا ما أخطأوا أو ضلوا ، قال تعالى: { إن الذين اتقوا إذا مسهم طائف من الشيطان تذكروا فإذا هم مبصرون } [ الأعراف: 201 ] وكذا من صفاتهم ترك الشبهات وما ترجح بين الحلال والحرام أو خفي حكمه لقوله صلى الله عليه وسلم: ... فمن اتقى الشبهات فقد استبرأ لدينه وعرضه ... [ البخاري: 341 ] ويقول أيضا: لا يبلغ العبد أن يكون من المتقين حتى يدع ما لا بأس به حذرا لما به بأس [ الترمذي: 4/547 ، وقال: حسن غريب ] .

يقول الحسن البصري: ما زالت التقوى بالمتقين حتى تركوا كثيرا من الحلال مخافة الحرام . وقال سفيان بن عيينة: لا يصيب عبد حقيقة الإيمان حتى يجعل بينه وبين الحرام حاجزا من الحلال وحتى يدع الإثم وما تشابه منه (2) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت