فهرس الكتاب

الصفحة 736 من 1037

فترك الشبهات منزلة عظيمة لا يبلغها إلا المتقون ولا تأتي إلا بمجاهدة النفس ومغالبتها تحقيقا لأوامر الشرع .

يقول محمد المصري: وهكذا يظل المؤمن في علاج لنفسه وجهاد لرغباته وأهوائه حتى ينتهي به الأمر إلى أن تصبح التقوى مغروسة في نفسه وتصبح خلقا من أخلاقه وسجية من سجاياه ، وهنا يدرك ثمرة التقوى في أيامه كلها ، وهنا يرهف إحساسه ويسمو وجدانه فيصبح سريع الإدراك لمواطن الخير ولمواطن الشر ، خبيرا كل الخبرة بالتمييز بينهما ، ويصبح طبعه الخير وهواه مع الخير وكراهيته للشر ونفوره منه ويكره أن يعود إلى الكفر كما يكره أن يلقى في النار (3)

المبحث الثاني

المعاملات الإسلامية

أولا: التحلي بالأخلاق الإسلامية

ليس من شك في أن للأخلاق أثرا قويا في بناء الأمم والأفراد لأن كل السلوكيات والتصرفات ناشئة عن تلك الأخلاق ، وبها يبلغ المرء أعلى المراتب والدرجات أو ينزل إلى أسوأ الدركات . والأخلاق الإسلامية بالذات مطلب رئيسي في التربية الإسلامية . قال صلى الله عليه وسلم: إن المؤمن ليدرك بحسن خلقه درجة الصائم القائم [ أبو داود: 5/149 ] . وقال أيضا: أكمل المؤمنين إيمانا أحسنهم خلقا وألطفهم بأهله [ رواه الترمذي 5/11 ، وقال: حديث حسن صحيح ] وأنماط السلوك متعددة منها ما هو فردي ومنها ما هو اجتماعي وكلاهما ينعكس أثره على البيئة أو المجتمع الذي يعيش فيه الأفراد . فالسلوك الفردي محوره الفرد ومثاله الطموح والرضا والصبر والتواضع ، والسلوك الاجتماعي يشترك فيه اثنان على الأقل لكي يظهر إلى حيز التطبيق ومنه التعاون والإيثار والتضحية (1) .

والنمط الأول - أي السلوك الفردي - هو الذي يتصل مباشرة بالتربية الذاتية ، وإذا تحلى الفرد بالأخلاق الحسنة وجاهد نفسه لكي يكتسبها وتبقى متأصلة فيه فإن ذلك سيساعده بإذن الله في تزكية نفسه وتقويمها . يقول الدكتور عبد الحميد الأقطش: وقد يبدأ التخلق بخلق ما عملا شاقا على النفس إذا لم يكن من أصل طبيعتها الفطرية ، ولكنه بتدريب النفس عليه وبالتمرس والمران يصبح سجية ثابتة يندفع الإنسان إلى ممارسة ظواهرها اندفاعا ذاتيا دون مشقة ، وليس التدريب النفسي ببعيد الشبه عن التدريب الجسدي الذي تكتسب به المهارات العملية الجسدية (2) .

ولطبيعة البحث سيقتصر الحديث على أهم الصفات الخلقية الفردية وأثرها في التربية الذاتية .

أ ـ الصبر

لابد لطالب التزكية أن يحلي نفسه بالصبر لينال مراتب الكمال ، ومن لم يتعود الصبر فليصبر نفسه وليرغمها على ذلك . قال تعالى: { يا أيها الذين آمنوا اصبروا وصابروا ورابطوا واتقوا الله لعلكم تفلحون } [ آل عمران: 200 ] . يقول عليه الصلاة والسلام: ... وإنه من يستعفف يعفه الله ومن يتصبر يصبره الله ومن يستغن يغنه الله ولن تعطوا عطاء خير وأوسع من الصبر . [ البخاري: 4/186 ]

ويقول صلى الله عليه وسلم: إنما العلم بالتعلم والحلم بالتحلم ومن يتحر الخير يعطه ومن يتوق الشر يوقعه [ حسنه الألباني في الصحيحة برقم 342 ] فمن يتصبر يصبره الله ويعطيه هذا الخلق الرفيع .

والصبر في التربية الذاتية على أنواع ، فمنه الصبر على رغبات النفس ومنه الصبر على متاعب الحياة التربوية ومنه الصبر على معاملة الأستاذ والمربي ومنه الصبر على جفاف المادة العلمية أحيانا .

وقد أشارت قصة موسى مع الخضر عليهما السلام إلى أن تربية الذات لا تتحقق إلا بالصبر والتحمل حيث قال تعالى مخبرا عنهما: { قال له موسى هل أتبعك على أن تعلمن مما علمت رشدا * قال إنك لن تستطيع معي صبرا * وكيف تصبر على ما لم تحط به خبرا * قال ستجدني إن شاء الله صابرا ولا أعصي لك أمرا * قال فإن اتبعتني فلا تسألني عن شيء حتى أحدث لك منه ذكرا } [ الكهف 66-70 ]

فقد كان موسى عليه السلام يتطلع إلى العلم الذي خصه الله بالخضر عليه السلام ولكن مخالفته للشرط الذي كان بينهما وهو الصبر فوت عليه ذلك ، وهذا ما جعل رسولنا محمد صلى الله عليه وسلم يقول: ... وددنا أن موسى صبر حتى يقص الله علينا من خبرهما ... [ البخاري: 3/257 ]

ومراتب الكمال في التربية والتعليم وغيرهما لا تنال بين عشية وضحاها وإنما بالصبر واليقين والجد والاجتهاد كما قال تعالى: { وجعلنا منهم أئمة يهدون بأمرنا لما صبروا وكانوا بآياتنا يوقنون } [ السجدة: 24 ] وقال صلى الله عليه وسلم: ما رزق عبد خيرا له ولا أوسع من الصبر [ رواه الطبراني نقلا عن الألباني في الصحيحة برقم 449 ]

ويقول أيضا: أفضل الإيمان الصبر والسماحة . [ رواه الديلمي نقلا عن الألباني في الصحيحة برقم 1495 ] .

فبالصبر واليقين تنال الإمامة في الدين ، وبتتبعنا لسيرة سلفنا الصالح نجد أنهم ما وصلوا إلى تلك الدرجات السابقة إلا بعد التحلي بهذا الخلق الكريم .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت