فهرس الكتاب
يحكي لنا خير الأمة وترجمان القرآن - عبد الله بن عباس رضي الله عنهما - قصة كفاحه وصبره حتى حقق دعوة الرسول صلى الله عليه وسلم له بالفقه في الدين فيقول: لما قبض رسول الله صلى الله عليه وسلم قلت لرجل من الأنصار: هلم نسأل أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فإنهم اليوم كثير . فقال: يا عجبا لك يا ابن عباس أترى الناس يفتقرون إليك وفي الناس أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم من فيهم ؟ قال ابن عباس: فتركت ذلك وأقبلت أنا أسأل أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فإنه كان ليبلغني الحديث عن الرجل فآتي بابه وهو قائل - أي نائم في نصف النهار - فأتوسد ردائي على بابه يسفي الريح علي من التراب فيخرج فيراني فيقول: يا ابن عم رسول الله صلى الله عليه وسلم ما جاء بك ؟ هلا أرسلت إلي فآتيك . فأقول: لا أنا أحق أن آتيك . قال: فأسأله عن الحديث . قال ابن عباس: فعاش الرجل الأنصاري حتى رآني قد اجتمع حولي الناس يسألوني فقال: هذا الفتى كان أعقل مني . (1)
إن في قصة ابن عباس عبرة وعظة لكل الكسالى والساقطين على جنبات الطريق التربوي الطويل ، وفيها درس لكل المربين والمتربين الذين يستعجلون قطف الثمار أو الذين يستنكفون عن السير في الطريق من أوله أو يظنون استحالة الوصول إلى نهايته . ويؤكد الإمام النووي هذا المفهوم فيقول: من لم يصبر على ذل التعلم بقي عمره في عماية الجهالة ومن صبر آل أمره إلى عز الدنيا والآخرة ... ومنه الأثر: ذللت طالبا فعززت مطلوبا (2) .
وقيل للإمام الشعبي من أين لك هذا العلم كله ؟ قال: ينبغي الاعتماد والسير في البلاد وصبر كصبر الجمال وبكور كبكور الغراب . فلا عجب إذن أن يفوز أهل الصبر كما قال تعالى { إني جزيتهم اليوم بما صبروا أنهم هم الفائزون } [ المؤمنون: 111 ] وقال أيضا: { إن في ذلك لآيات لكل صبار شكور } [ الشورى: 33/ سبأ: 19 / إبراهيم: 5 / لقمان: 31 ] يقول ابن القيم رحمه الله (1) :
ولما كان الإيمان نصفين: نصف صبر ونصف شكر كان حقيقا على من نصح نفسه وأحب نجاتها وآثر سعادتها ألا يهمل هذين الأصلين وأن يجعل سيره إلى الله بين هذين الطريقين ليجعله يوم لقائه مع خير الفريقين ... ، والصبر آخية المؤمن التي يجول ثم يرجع إليه وساق إيمانه الذي لا اعتماد إلا عليها فلا إيمان لمن لا صبر له وإن كان فإيمان قليل في غاية الضعف وصاحبه من يعبد الله على حرف فإن أصابه خير اطمأن به وإن أصابته فتنة انقلب على وجهه خسر الدنيا والآخرة ولم يحظ منهما إلا بالصفقة الخاسرة . فخير عيش أدركه السعداء بصبرهم وترقوا إلى أعلى المنازل بشكرهم فساروا بين جناحي الصبر والشكر إلى جنات النعيم وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم .
وبالتصبر تقوى إرادة الإنسان فيتحرر من عبودية الجسد والمادة منطلقا بذلك إلى عبودية الله وحده وسائرا في تحقيق إرادته في أن يكون مسلما في أفكاره وتصوراته ومعاملاته وأخلاقه .
ب ـ التواضع
هذا الخلق الكريم ينبئ عن معدن صاحبه ويظهر عليه في التعامل مع غيره خاصة إذا كان هذا أقل علما أو عمرا أو منزلة اجتماعية . وبما أن الحكمة ضالة المؤمن فهو أحق بها أنى وجدها وهو أولى من غيره أن يحصل عليها ولا يعيقه عن ذلك أي من العوائق النفسية أو الموانع الاجتماعية . ومما ييسر هذا أن يتخلص الإنسان من شرور نفسه من عجب وتكبر وغرور ومدح للنفس أو غير ذلك من الصفات القلبية الممقوتة . قال تعالى: { فلا تزكوا أنفسكم هو أعلم بمن اتقى } [ النجم: 32 ]
ومن ابتلي بشيء من هذه الشرور فقد حرم خيرا كثيرا ، ومن لم يتواضع فسيحقر غيره ويترفع عن الاستفادة منه وتحصيل ما لديه من علوم وخبرات وتجارب .
روى عياض بن حمار - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن الله أوحى إلي أن تواضعوا حتى لا يفخر أحد على أحد ولا يبغي أحد على أحد . [ مسلم: 4/2199 ] .
ومن المقرر شرعا أنه لا فضل لأحد على أحد حتى وإن كان من آل بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا بالتقوى .
ومن التواضع في التربية الذاتية ألا يخجل الإنسان من الاستفادة ممن هو أصغر منه عمرا أو أقل منزلة ، فلا يستنكف الأستاذ أن يتعلم من تلميذه ولا الوالد أن يقتدي بابنه فقد يكون ممن أوتي علما وخبرة وتجربة لم يؤتها الآخر .
ولا يكاد المتأمل في آيات القرآن يجد مثلا للتواضع أبلغ في الاستشهاد من موقف موسى مع الخضر عليهما السلام ، فهذا نبي من أنبياء الله ينزل إلى مقام التلميذ متحليا بالتواضع مع أستاذه العبد الصالح .
وهذا إبراهيم عليه السلام ينصح أباه عله يرتدع عن غيه وضلاله ولكن الأب الضال يستكبر ويرفض إتباع ابنه حيث روى القرآن تحاورهما فقال إبراهيم عليه السلام: { يا أبت أني قد جاءني من العلم ما لم يأتك فاتبعني أهدك صراطا سويا } [ مريم: 43 ]
ويكون جواب الأب المعاند: { قال أراغب أنت عن آلهتي يا إبراهيم لئن لم تنته لأرجمنك واهجرني مليا } [ مريم: 46 ]
ولو أن الرجل تواضع وانصاع لدعوة الحق لحاز الفلاح في الدارين ، وكذا من أراد تربية ذاته وتزكيتها فليتواضع لمن هو أعلم منه كما يتواضع له من هو أجهل منه
قال عمر بن الخطاب: تعلموا العلم وتعلموا للعلم السكينة والحلم وتواضعوا لمن تعلمون وليتواضع لكم من تعلمون (1)
ورحم الله الإمام الشافعي حين يقول: لا يطلب أحد هذا العلم بالملك وعز النفس فيفلح ولكن من طلبه بذل النفس وضيق العيش وخدمة العلماء أفلح (2)