فهرس الكتاب
فإذا لم تكن للمرء بداية محرقة لم تحصل له نهاية مشرقة ، أي إذا لم يصبر على أخلاق من يتعلم منه ولم يصبر على ذل التعلم ، وإذا لم يتواضع للمعرفة التي يحملها المعلم أيا كانت منزلته فلن يصل إلى التزكية المبتغاة ، فليكن المتعلم لمتعلمه كأرض دمثة نالت مطرا غزيرا فتشربت جميع أجزائها وأذعنت بالكلية لقبوله (1)
وفي الحث على الصبر والتواضع يقول الإمام الشافعي ـ رحمه الله ـ (2) :
اصبر على مر الجفا من معلم فإن رسوب العلم في نفراته
ومن لم يذق مر التعلم ساعة تذوق مر الجهل طول حياته
ومن فاته التعليم وقت شبابه فكبر عليه أربعا لوفاته
وذات الفتى والله بالعلم والتقى إذا لم يكونا لا اعتبار لذاته
وبالتحلي بخلقي الصبر والتواضع تستجلب محبة الآخرين فتفتح مغاليق قلوبهم وأفئدتهم ، وتنطلق ألسنتهم للإفادة والتعليم ، كما تنساب منهم المعارف والعلوم والخبرات فتزكو الروح وتسمو الذات
ثانيا: اتخاذ القدوة
مهما يكن لدى المرء من طاقات وقدرات ومواهب ومهما يكن لديه من وسائل وأساليب يستثمرها لتربية ذاته وتزكيتها فإنه لا يستغني بأي حال من الأحوال عن وجود قدوة من بني جنسه تكون له نبراسا وهاديا في سيره إلى ربه ، وتؤثر القدوة تأثيرا كبيرا في تكوين شخصية الفرد وصقلها حيث أن الإنسان ميال بطبعه إلى التقليد والمحاكاة ، ولهذا المكيل أسس نفسية يرتكز عليها هي:
1.الرغبة في التقليد والمحاكاة للمماثلين والمشاكلين
2.الاستعداد النفسي الذي يتغير حسب الظروف والأحوال والأشخاص
3.الهدف أو الدافع الغريزي الذي قد يكون معروفا لدى المقلد أو لا يكون (3)
4.الشعور بالنقص وقلة الخبرة والحاجة إلى التعلم
وفي التربية الإسلامية يتحول هذا التقليد أو يوجه إلى ما يسمى بالإتباع ، والإتباع هو عملية فكرية يمزج فيها بين الوعي والانتماء والمحاكاة والاعتزاز في ظل البصيرة والحجة ، ولذلك كان الخطاب الإلهي بإتباع الرسول صلى الله عليه وسلم ، قال تعالى: { قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله ويغفر لكم ذنوبكم والله غفور رحيم } [ آل عمران: 31 ] وقال: { وأن هذا صراطي مستقيما فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله } [ الأنعام: 153]
فلما أراد الله إقامة الحجة على الناس لم ينزل إليه الكتب فحسب بل أرسل إليهم الرسل ، ومن رحمة الله عز وجل أن كان الرسل والأنبياء من بني البشر حتى يكون ذلك أدعى للإتباع وأحرى بالإقتداء ، ولو كان الرسول ملكا من الملائكة لاحتج الناس بضعفهم وعجزهم وعدم طاقتهم على مجاراة الملك فيما يصدر منه من أفعال وتصرفات ، قال تعالى: { وقالوا لولا أنزل عليه ملك ولو أنزلنا ملكا لقضي الأمر ثم لا ينظرون ، ولو جعلناه ملكا لجعلناه رجلا وللبسنا عليهم ما يلبسون } [ الأنعام: 8 ، 9 ] وهكذا حتى يحصل كمال الإقتداء والاتساء كانت قدوات البشر من بني جنسهم
مستويات القدوة:
نظرا لتشعب مجالات القدوة في التربية الإسلامية ، يرى الباحث أنه يمكن تصنيفها إلى المستويات التالية:
المستوى الأول:
وهو الاقتداء المطلق بالنبي محمد صلى الله عليه وسلم في جميع أفعاله وأقواله وأحواله إلا ما كان من خصوصياته عليه الصلاة والسلام ، وهذا المستوى هو الأسمى والأعلى والأمثل الذي ينبغي أن يتخذه الفرد لتربية نفسه وتزكيتها وبهذا الاقتداء يكون الفوز والفلاح في الدنيا والآخرة وبدونه يكون الخسران المبين .
قال تعالى: { لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة لمن كان يرجو الله واليوم الآخر وذكر الله كثيرا } [ الأحزاب: 21 ] .
وقال صلى الله عليه وسلم: كل أمتي يدخلون الجنة إلا من أبى ، قالوا: ومن يأبى ؟ قال: من أطاعني دخل الجنة ومن عصاني فقد أبى . [ البخاري: 4/359 ]
وفي شخصية الرسول صلى الله عليه وسلم وسيرته يجد المرء الأسوة الحسنة في حياته كلها . فهو إنسان أكرمه الله برسالته ومع ذلك فسيرته شاملة لكل النواحي الإنسانية في الإنسان ، فهو الشاب الأمين قبل البعثة والتاجر الصادق وهو الباذل لكل طاقته في تبليغ دعوة ربه ، وهو الداعية الصبور والأب الرحيم والزوج المحبوب والقائد المحنك والصديق المخلص والمربي المرشد والسياسي الناجح والحاكم العادل . كما أنه عليه الصلاة والسلام ضرب المثل الأعلى في تربية الذات من جميع النواحي سواء في عبادته أو زهده أو خلقه الكريم أو غير ذلك . والمتأمل لسيرته يجد الحل والصواب لكل المعضلات التي تقف حائلا دون إشعاع الروح وبلوغ صفائها ونقائها . ولذلك فإن التأسي بالمصطفى عليه السلام فيه تربية للروح كي تصل إلى مرتبة الكمال البشري والسمو الإنساني المتمثل في شخصه الكريم .
المستوى الثاني:
وهو أقل درجة من المستوى الأول ويتمثل في الاقتداء بسلف هذه الأمة من عظمائها ومجدديها الذين كان لهم دور بارز في مجريات التاريخ . فإذا كان لدى الفرد ميل إلى نوع من أنواع النبوغ كالعلم أو العبادة أو الدعوة أو التخصص في أي علم من العلوم فيحتاج أن يكون أمامه مثل بارز في هذا المجال يسير على خطاه ويقتفي آثاره . والقدوات في هذا المستوى لا تعد ولا تحصى وتختلف باختلاف التخصصات والمجالات . ولا تقتصر الأمثلة على الصحابة رضوان الله عليهم بل يتعدى ذلك إلى من جاء بعدهم ، فهناك عمر بن عبد العزيز في العدل والإمام الشافعي في العلم والإمام أحمد في الثبات على الحق والعقيدة الصحيحة وابن تيمية في العلم والجهاد معا وابن القيم في التربية والشيخ محمد بن عبد الوهاب في الدعوة إلى الله ، وهناك ابن النفيس في الطب وابن خلدون في علم الاجتماع وابن رجب في المواعظ ... وهكذا . روي عن عبد الله بن مسعود أنه كان يقول: من كان متأسيا فليتأس بمن قد مات فإن الحي لا تؤمن عليه الفتنة (1) .