فهرس الكتاب

الصفحة 741 من 1037

وقد عني القرآن الكريم والسنة المطهرة بالحوار عناية بالغة ، وذلك لأهميته للإقناع الذاتي فهو: الطريق الأمثل للاقتناع الذي ينبع من أعماق صاحبه ، والاقتناع هو أساس الإيمان الذي لا يمكن أن يفرض فرضا وإنما ينبع من داخل الإنسان (1)

ولكي يحدث هذا الاقتناع لابد من إخلاص النية والتجرد للوصول إلى الحق بغض النظر عن الأهواء والشهوات أثناء الحوار مع الآخرين أو حتى مع النفس

يقول تعالى: { قل إنما أعظكم بواحدة أن تقوموا لله مثنى وفرادى ثم تتفكروا ما بصاحبكم من جنة إن هو إلا نذير لكم بين يدي عذاب شديد } [ سبأ: 46 ]

فهذه دعوة لكل من يريد أن يصل إلى الصواب مع من يحاوره أو يخالفه في الرأي وذلك بالتجرد لله تعالى أثناء المحاورة وبعدها وقبلها ، يقول سيد قطب ـ رحمه الله تعالى ـ حول ظلال هذه الآية:

وهنا يدعوهم دعوة خالصة إلى منهج البحث عن الحق ( قل إنما أعظكم بواحدة ) إنها دعوة إلى القيام لله بعيدا عن الهوى ، بعيدا عن المصلحة ، بعيدا عن ملابسات الأرض بعيدا عن الهواتف والدوافع التي تشتجر في القلب فتبعد به عن الله ، بعيدا عن التأثر بالتيارات السائدة في البيئة والمؤثرات الشائعة في الجماعة ، دعوة إلى التعامل مع الواقع البسيط لا مع القضايا والدعاوى الرائجة ولا مع العبارات المطاطة التي تبعد العقل والقلب عن مواجهة الحقيقة في بساطتها

دعوة إلى منطق الفطرة الهادئ الصافي بعيدا عن الضجيج والخلط واللبس والرؤية المضطربة والغبش الذي يحجب صفاء الحقيقة ، وهي في الوقت ذاته منهج في البحث عن الحقيقة ، منهج بسيط يعتمد على التجرد من الرواسب والغواشي والمؤثرات وعلى مراقبة الله وتقواه ، وهي واحدة إن تحققت صح المنهج واستقام الطريق ، القيام لله لا لغرض ولا لهوى ولا لمصلحة ولا لنتيجة .. التجرد .. الخلوص ، ثم التفكر والتدبر بلا مؤثر خارج عن الواقع الذي يواجهه القائمون لله المتجردون . ( أن تقوموا لله مثنى وفرادى ) مثنى ليراجع أحدهما الآخر ويأخذ معه ويعطي في غير تأثر بعقلية الجماهير التي تتبع الانفعال الطارئ ولا تتلبث لتتبع الحجة في هدوء ، ... وفرادى مع النفس وجها لوجه في تمحيص هادئ عميق . ( ثم تتفكروا ) فما عرفتم عنه إلا العقل والتدبر والرزانة وما يقول شيئا يدعو إلى التظنن بعقله ورشده إن هو إلا القول المحكم المبين (1)

وليس الوصول للحق هو الهدف الوحيد من الحوار بل إن هناك أهدافا أخرى منها استعادة المعلومات ومراجعتها لتثبيتها بدل أن تبقى رهينة العقول وفي ذلك يقول الزهري: إنما يذهب العلم بالنسيان وترك المذاكرة . ويقول آخر: مطارحة ساعة خير من تكرار شهر . ومن محاسن الحوار ما يلخصه الهاشمي فيما يلي (2) :

1ـ أنه يحترم الذات الإنسانية فلا يفرض عليها الأفكار والتجارب والخبرات فرضا وإنما تنمو مع الذات عن طريق اكتسابها شخصيا عن طريق المناقشة .

2ـ أنه يشجع روح النقد الذاتي في الإنسان لمراجعة أفكاره وخبراته بين حين وآخر

3ـ استغلال الجانب الإيجابي التفكيري في الشخصية الإنسانية في مراقبة الجوانب الأخرى للشخصية في السلوك والإدراك والانفعال .

4ـ الحث على التفكير العميق في جوانب الموضوع المحدد أو إلى إجراء الاستقصاء والملاحظة والتجربة بعيدا عن التلقي والحفظ والترديد .

5ـ توجيه غير مباشر لزيادة ثقة الفرد بنفسه عند طرح الأفكار أو الرد عليها .

ولأهمية الحوار في العلاقات الإنسانية التي تعود بالتأثير المباشر على الإنسان نذكر فيما يلي أسس وأصول الحوار التي ينبغي أن يراعيها الفرد في محاوراته:

1ـ حسن الاستماع والاهتمام بكلام الطرف الآخر وعدم الاستئثار بالحديث .

2ـ الحذر من الكذب والغموض واللف والدوران .

3ـ التسليم بالخطأ والإنصاف في الحكم والنقاش .

4ـ مراقبة النفس أثناء الحوار لكي لا يخرج الحوار عن طبيعته الهادئة .

5ـ التواضع عند كسب الحوار وتجنب الشماتة وكل ما يشعر بالاحتقار (1) .

ولكي يسير الحوار في طبيعته الهادئة بعيدا عن الفظاظة والغلظة يحسن أن تتوفر بعض الأمور المتعلقة بالثقافة الذاتية للفرد المحاور أو مدى فهمه للخلفية الثقافية للطرف الآخر وتلخصها فيما يلي:

1ـ مراعاة الفروق الفردية وتفاوت العقول في المناقشة والفهم .

2ـ الحرص قدر الإمكان على حسن البيان وتوضيح الأفكار بالأمثلة وغيرها .

3ـ البدء بمواطن الاتفاق والنقاط المشتركة .

4ـ توثيق الحوار من الناحية العلمية والإسنادية بذكر المصادر والإحصائيات .

5ـ عدم التعرض لكلام الطرف الآخر ومناقشته قبل فهمه تماما .

6ـ الإحاطة بمواطن الخلاف لكي يمكن الرد عليها أو قبولها . (2)

رابعا: العزلة والمخالطة

لقد كثر الجدل حول هذين الأمرين - العزلة والمخالطة - وأيهما أفضل للمرء لتربية ذاته . فذهب بعض العلماء والمربين إلى أن العزلة أفضل وأولى في جميع الأحوال ، ورجح البعض الآخر أن الخلطة أفضل . والصواب أن يقال أنه لا يمكن التفريق بينهما ولا يمكن الاستغناء بأحدهما عن الآخر ، فلكل منهما أثر في التربية الذاتية . ويتبين فيما يلي آثار كل منهما وفوائدهما ومتى تكون ولمن تكون مستدلين في ذلك بالكتاب والسنة .

1ـ فوائد العزلة في التربية الذاتية:

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت