فهرس الكتاب

الصفحة 742 من 1037

أ ـ التفرغ للعبادة والتفكر والاستئناس بمناجاة الله تعالى عن مناجاة الخلق ، ويتضح هذا جليا في الحث على قيام الليل والناس نيام والحث على صلاة المرء في بيته عدا المكتوبة . ومن الأمثلة في ذلك قصة أصحاب الكهف الذين اعتزلوا قومهم فرارا بدينهم وتفرغا لعبادة الله ، قال تعالى: { وإذ اعتزلتموهم وما يعبدون إلا الله فأووا إلى الكهف ينشر لكم ربكم من رحمته ويهيئ لكم من أمركم مرفقا } [ الكهف: 16 ] . وكذلك اعتزال أهل الفسق والباطل ومفاصلتهم وخاصة أثناء مقارفتهم للمعاصي والمنكرات كي يسلم المرء من أذاهم وباطلهم كما قال إبراهيم عليه السلام لقومه: { وأعتزلكم وما تدعون من دون الله وأدعو ربي عسى ألا أكون بدعاء ربي شقيا } [ مريم: 48 ] . وقيل لبعض الحكماء ما الذي أرادوا بالخلوة واختيار العزلة فقال يستدعون بذلك دوام الفكرة وتثبيت العلوم في قلوبهم ليحيوا حياة طيبة ويذوقوا حلاوة المعرفة . وقيل لبعضهم: ما أصبرك على الوحدة . فقال: ما أنا وحدي . أنا جليسي الله تعالى إذا شئت أن يناجيني قرأت كتابه وإذا شئت أن أناجيه صليت ، وقال الفضيل: إذا رأيت الليل مقبلا فرحت وقلت: أخلو بربي ، وإذا رأيت الصبح أدركني استرجعت كراهية لقاء الناس وأن يجيئني من يشغلني عن ربي (1)

ب ـ الابتعاد عن المعاصي التي يتعرض لها الإنسان غالبا بالمخالطة مثل الغيبة والنميمة والرياء والتزين للناس ، وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: تجد من شرار الناس يوم القيامة عند الله ذا الوجهين الذي يأتي هؤلاء بوجه وهؤلاء بوجه . [ البخاري: 4/102 ] .

وقال الخطابي (1) : ولو لم يكن في العزلة إلا السلامة من آفة الرياء والتصنع للناس وما يدفع إليه الناس إذا كان فيهم من استعمال المداهنة معهم وخداع المواربة في رضاهم لكان في ذلك ما يرغب في العزلة .

وإذا تخلصت الذات من شرورها وسلبياتها أصبحت قوة فعالة واتجهت للبناء والتنمية والسمو بالذات إلى مراتب الكمال .

جـ ـ الخلاص من الفتن والخصومات وصيانة الدين والنفس عن الخوض فيها والتعرض لأخطارها . ويتأكد اعتزال الناس حينما تظهر الفتن برؤوسها ، قال صلى الله عليه وسلم: إن بين أيديكم فتنا كقطع الليل المظلم ، يصبح الرجل فيها مؤمنا ويمسي كافرا ، القاعد فيها خير من القائم ، والقائم فيها خير من الماشي ، والماشي فيها خير من الساعي . قالوا: فما تأمرنا ؟ قال: كونوا أحلاس بيوتكم . [ أبو داود: 4/459 ] .

فيتعين على الإنسان الاعتزال وذلك عندما لا يكون هناك فائدة من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وليس من المستطاع الاحتفاظ بالمبادئ والقيم ويكون في هذه الحالة من الأولى التزام البيوت سلامة للدين وحفظا للذات من الانسلاخ .

د ـ السلامة من شرور الناس وحسدهم ومكرهم وانقطاع الطمع عما في أيديهم ، وهذه الفائدة متحصلة في كل حال من اعتزال الناس . قال تعالى: { ولا تمدن عينيك إلى ما متعنا به أزواجا منهم زهرة الحياة الدنيا لنفتنهم فيه ورزق ربك خير وأبقى } [ طه: 131 ] .

وقال صلى الله عليه وسلم: انظروا إلى من أسفل منكم ولا تنظروا إلى من هو فوقكم فإنه أجدر ألا تزدروا نعمة الله [ مسلم: 4/2275 ] .

2ـ فوائد الخلطة في التربية الذاتية

أ ـ التعلم والتعليم: بين الباحث في مبدأ الحرية وحرية العلم خاصة أن هناك أمورا لا يعذر المرء المسلم بجهلها وينبغي عليه أن يتعلمها وهذه غالبا لا يمكن تحصيلها بغير المخالطة . ويجب على من آتاه الله علما أو فقها ألا يكتمه ويحجر عليه ، بل الواجب مخالطة أفراد المجتمع لتعليمهم وإفادتهم .

ب ـ التأدب والتأديب وهاتان اللفظتان تحمل معنى أخص من التعلم والتعليم . فالتأدب كما قال الإمام الغزالي - رحمه الله - يعني: الارتياض بمقاساة الناس والمجاهدة في تحمل أذاهم كسرا للنفس وقهرا للشهوات (1) .

والمقصود من ذلك ترويض النفس على التحلي بالأخلاق الفاضلة التي لا تظهر إلا بالاحتكاك مع الآخرين وكثرة التعامل معهم . ومن هذه الأخلاق التضحية والإيثار والتعاون والصفح عن الإساءة وغير ذلك .

أما التأديب فتعني ترويض الآخرين وتأديبهم وتهذيبهم . وهذا المقام يناسب حال المعلم مع طلابه والمربي مع مريديه أو العالم والشيخ مع أفراد مجتمعه ، فيصبر على كثرة مخالطتهم وشغل أوقاته احتسابا لله ومتأسيا في ذلك بأحوال الدعاة الأوائل من سلف هذه الأمة الذين ندبوا أنفسهم وأوقاتهم في الدعوة إلى الله وتعليم الناس الخير . قال تعالى: { قل هذه سبيلي أدعو إلى الله على بصيرة أنا ومن اتبعني وسبحان الله وما أنا من المشركين } [ يوسف: 108 ] . وقال صلى الله عليه وسلم: المؤمن الذي يخالط الناس ويصبر على أذاهم خير من المؤمن الذي لا يخالط الناس ولا يصبر على أذاهم . [ ابن ماجة: 2/1338 ، وأورده الألباني بإسناد حسن في الصحيحة برقم 939 ] .

جـ ـ نيل الثواب وترويح النفس: ففي مخالطة الناس أداء بعض الفرائض والواجبات كحضور الجمع والجماعات وأداء الحقوق المفروضة بين المسلمين أنفسهم كعيادة المريض واتباع الجنائز وإجابة الدعوة وكذا حضور مجالس الذكر التي يباهي الله بها ملائكته ، كما أن في اللقاء بالإخوان ترويحا للقلب وتهييجا لدواعي النشاط في العبادة والاستئناس بالمشاكلين والحديث معهم ولذا يوصي الإمام الغزالي في هذا المقام بوصية ثمينة فيقول: وليحرص أن يكون حديثه عند اللقاء في أمور الدين وحكاية أحوال القلب وشكواه وقصوره عن الثبات على الحق والاهتداء إلى الرشد ففي ذلك متنفس ومتروح للنفس وفيه مجال رحب لكل مشغول بإصلاح نفسه فإنه لا تنقطع شكواه ولو عمر أعمارا طويلة ، والراضي عن نفسه مغرور قطعا (1) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت