فهرس الكتاب
وفي أداء الجمع والجماعات وحضور اجتماعات إخوانه المسلمين تحقيق للعبودية المطلقة للخالق . والنفس بطبعها تضعف وتفتر أحيانا ولكنها تقوى وتثبت عند مخالطة مثيلاتها ممن يسيرون على ذات المنهج
د ـ معرفة الواقع وكيد الأعداء: إن المسلم المعاصر يعيش في ظروف وملابسات تختلف عن تلك التي كان يعيشها إخوانه الذين سبقوه بالإيمان في العصور الماضية . فللباطل اليوم صولة وجولة ، والجاهلية المعاصرة تخطو خطوات حثيثة وبوسائل حديثة لإقصاء تيار التربية الإسلامية عن التغيير في مجريات الأحداث لتعبيد العباد لرب العباد في الوقت الذي بذلت فيه تلك الجاهلية قصارى جهودها وإمكانيتها لتعبيد العباد للشهوات والطواغيت . ولقد نجحت في ذلك إلى حد كبير . إن الإسلام اليوم لا يستقيم عموده فقط بدعاء شيخ في زوايا المسجد أو بإلقاء خطب رنانة جوفاء لا مكان لها في الواقع ، ولا يستقيم كذلك بنشر تصريحات في الجرائد والمجلات المشبوهة بل لابد من الجهاد . الجهاد مع النفس والجهاد ضد الأعداء والجهاد مع الشهوات والشبهات . ومن أنواع الجهاد ضد الأعداء معرفة ورصد الخطط والمؤامرات التي يدبرها أولئك الأعداء ضد المسلمين عملا وتنفيذا لقوله تعالى: { وكذلك نفصل الآيات ولتستبين سبيل المجرمين } [ الأنعام: 55]
فلا يمكن لمسلم اليوم أن يعيش بمعزل عن البيئة والأحداث ولا يمكن أن ينجو من أحابيل شياطين الإنس والجن إن لم يكن يقظا فطنا لما يجري حوله وما يقع تحت بصره ويده من مستجدات وأمور وما وصل المسلمون إلى الحالة التي نراها عليهم اليوم إلا بعد أن لدغوا مرات ومرات ، والرسول صلى الله عليه وسلم يحذر أمته قائلا: لا يلدغ المؤمن من جحر واحد مرتين . [ البخاري: 4/115 ] ويقول الخليفة الملهم عمر بن الخطاب - رضي الله عنه -: لست بالخب ولا يخدعني الخب .
ومعرفة الواقع تشمل العناية والاهتمام بأحوال المسلمين في أرجاء المعمورة لقوله صلى الله عليه وسلم: المؤمن من أهل الإيمان بمنزلة الرأس من الجسد يألم المؤمن لما يصيب أهل الإيمان كما يألم الرأس لما يصيب الجسد . [ رواه أحمد وحسنه الألباني في صحيح الجامع برقم 6535 ] . ومن حديث النعمان بن بشير يقول صلى الله عليه وسلم: المؤمنون كرجل واحد إن اشتكى رأسه اشتكى كله وإن اشتكى عينه اشتكى كله . [ أحمد: 4/271 ، وصححه الألباني في صحيح الجامع برقم 6544 ] ولقوله أيضا: من لم يهتم للمسلمين عامة فليس منهم . [ ذكره الألباني في الضعيفة برقم 309 ]
إن دراسة الواقع وفهمه فهما جيدا من الأمور الهامة جدا في حياة المسلمين لأنها تتعلق ليس بالأفراد فحسب ولكن بالمجتمعات أيضا . وتعد مرحلة دراسة الواقع من المراحل المتقدمة في التربية الذاتية حيث أنها تستلزم فيمن ينبري لها أن تتوفر لديه مقومات عدة من أهمها (1) :
-القناعة بأهمية فقه الواقع وحاجة الفرد والأمة إليه .
-التأصيل العلمي الشرعي الذي يبنى على الكتاب والسنة .
-سعة الاطلاع وتجدده وخاصة من المصادر المباشرة والأصلية للمعلومات .
-القدرة على الربط والمقارنة والتحليل والاستنتاج والتنبؤ .
-التفاعل الإيجابي والممارسة العملية في الميادين المختلفة .
وإذا ما تحققت تلك المقومات فسيكون من ثمراتها ونتائجها ما يلي (2) :
-حماية المسلم لنفسه ولإخوانه من كيد الأعداء وألاعيبهم .
-إبطال كيد الأعداء وفضح خططهم ومؤامراتهم الحالية والمستقبلية .
-ربط الأسباب بمسبباتها واتخاذ المواقف الصحيحة والوصول إلى النتائج السليمة والمحكمة .
-تحقيق التربية الشاملة المتكاملة والثبات على الطريق .
فالخلاصة فيما ذكر من فوائد العزلة والمخالطة أن لكل منهما حالات وأوقات ، وهي تختلف من شخص لآخر حسب وضعه الاجتماعي وعلمه وفقهه وحسب الباعث له على أي منهما ، ولكن ينبغي لزوم القصد في حالتي العزلة والخلطة كما أوصى بذلك الحافظ أبو سليمان الخطابي حين قال: والطريقة المثلى في هذا الباب ألا تمتنع من حق يلزمك للناس وإن لم يطالبوك به وألا تنهمك لهم في باطل لا يجب عليك وإن دعوك إليه فإن من اشتغل بما لا يعنيه فاته ما يعنيه ، ومن انحل في الباطل جمد عن الحق فكن مع الناس في الخير وكن بمعزل عنهم في الشر وتوخ أن تكون فيهم شاهدا كغائب وعالما كجاهل . (1)
وقد يحدث عند الاختلاط بالإخوان بعض المزالق التي ينبغي أن يحذر منها ، ويفصل ذلك ابن القيم (2) - رحمه الله - قائلا:
الاجتماع بالإخوان قسمان: أحدهما على مؤانسة الطبع وشغل الوقت فهذا مضرته أرجح من منفعته وأقل ما فيه أنه يفسد القلب ويضيع الوقت .
الثاني: الاجتماع بهم على التعاون على أسباب النجاة والتواصي بالحق والصبر فهذا من أعظم الغنيمة وأنفعها ولكن فيه ثلاث آفات:
أ - تزين بعضهم لبعض .
ب ـ الكلام والخلطة أكثر من الحاجة .
جـ ـ أن يصير ذلك شهوة وعادة ينقطع بها عن المقصود من الاجتماع .
المبحث الثالث
استغلال الوقت
أولا - العادة
تعرف العادة بأنها: ميل نفسي متعلم مكتسب بالتكرار والخبرة للقيام بذات الأعمال السلوكية بحيث يقوم الإنسان بها بطريقة آلية عفوية إلى حد بعيد ويطمئن إليها الفرد سعادة في تمام الأداء (1) .
ولما كانت التربية أساسا مبنية على الممارسة والتطبيق لمبادئها المتعلقة بها فإن الأفكار النظرية المجردة لن يكون لها أثر إذا لم تظهر إلى عالم الواقع ويعمل بها وتنطبق هذه الخاصية تماما في التربية الإسلامية التي يقترن فيها الإيمان بالعمل الصالح وتقترن فيها النية المضمرة بالحركة الحية . وقديما قال الحسن البصري (2) : ليس الإيمان بالتمني ولا بالتحلي ولكن ما وقر في القلب وصدقه العمل .