فهرس الكتاب

الصفحة 746 من 1037

وهذه الآيات محفوظة إلى قيام الساعة بحفظ الكتاب العزيز ، وللقراءة فوائد عديدة فهي تفتح مغاليق أسرار الوجود ، أسرار ما يعلم الإنسان وما لا يعلم . وهي مفتاح المعرفة والطريق إلى سعادة الدار الآخرة والوسيلة إلى الاتصال بعقول البشر ومعرفة أفكارهم والطريق الذي يمدنا بما يقع في الكون وما يدور في البيئة من أحداث . وهي إلى جانب ذلك متعة في أوقات فراغنا (1) .

وقد كان للسلف من علماء الأمة وأدبائها شغف كبير بالقراءة وولع شديد بالكتب واقتنائها ، ولهم في ذلك أقوال مأثورة ، ورد عن بعضهم قوله: لا شيء آثر للنفس ولا أشرح للصدر ولا أوفر للعرض ولا أذكى للقلب ولا أبسط للسان ولا أشد للجنان ولا أكثر وفاقا ولا أقل خلافا ولا أبلغ إشارة ولا أكثر عبارة من كتاب تكثر فائدته وتقل مؤونته وتسقط غائلته وتحمد عاقبته وهو محدث لا يمل وصاحب لا يخل وجليس لا يتحفظ ومترجم عن العقول الماضية والحكم الخالية والأمم السالفة ، يحيي ما أماته الحفظ ويجدد ما أخلقه الدهر ويبرز ما حجبته الغباوة ويصل إذا قع الثقة ويدوم إذا خان الملوك (2) .

وحتى تساهم القراءة في ملء الفراغ وتربية الذات ينبغي أن يخصص الإنسان جزءا من وقته اليومي للقراءة الهادفة في الكتب والمجلات النافعة . وقد يحتار المرء في القراءة بأي المواضيع يبدأ وفيم يقرأ ولمن يقرأ ، وهنا تأتي مشورة الأستاذ الواعي والمرشد الناصح . ويقترح المؤلف بعض المواضيع والتي لها تأثير مباشر في تربية الذات المسلمة . وتمتاز هذه المواضيع بأنها مهمة لكل النفوس المؤمنة ولا يستغني عنها الفرد المكلف في أي مرحلة من مراحل حياته . وينصح بالاطلاع على الكتب التي تطرق هذه الجوانب ، وهذه المواضيع هي:

-جانب العبادات والسنن .

-السيرة النبوية وتراجم الصالحين

-المواعظ وأعمال القلوب كالإخلاص والتوكل والمراقبة والخوف والرجاء والإنابة وغير ذلك .

-صفات الشخصية المسلمة والخلق الإسلامي .

وهذا التخصيص لا ينافي القول بأن في قراءة الدوريات المتخصصة أو الكتب المتنوعة تثقيف للإنسان وزيادة معلوماته واستفادة من خبرات الآخرين . ولكن ليس المهم أن يمتلئ الذهن بالمعلومات فقط ولكن المهم تحكيم ما يقرأ على ضوء القواعد الثابتة من الكتاب والسنة ، وبذا يكون القارئ مثقفا واعيا . يقول الجاسر (1) : وهكذا تكون القراءة معرفة ونموا وتكون وعيا ونضجا . فكل خطوة يخطوها القارئ تصبح فيما بعد سلما إرشاديا يساعده على وضوح الرؤية ودقة الحكم ويظل نضجه العقلي يتنامى بصورة مطردة ليصبح بعد ذلك محكا حساسا وصادقا لكل محاولة تضليلية وكل محاولة غزو خارجية وداخلية .

ومن المهم اقتناء الكتب في المنزل للرجوع إليها وقت الحاجة وشغل أوقات الفراغ بها وتعويد النفس على ذلك . ومن طريف الذكر أن بعض الأدباء عوتب على لزومه منزله وتركه محادثة الرجال فأجاب بجواب مدح فيه كتبه فقال:

لنا جلساء ما نمل حديثهم ألباء مأمونون غيبا ومشهدا

يفيدوننا من رأيهم علم من مضى وعقلا وتأديبا ورأيا مسددا

بلا مؤنة تخشى ولا سوء عشرة ولا تتقي منهم لسانا ولا يدا

فإن قلت هم موتى فلست بكاذب وإن قلت أحياء فلست مفندا

يفكر قلبي دائما في حديثهم كأن فؤادي ضافه سم أسودا

إن وجود مكتبة في المنزل تحوي مختلف الكتب وفي شتى المجالات يدفع جميع أفراد المنزل للاستفادة من هذه المكتبة وخاصة إذا وجد التوجيه والإرشاد من رب المنزل أو غيره . ولا شك أن أثرها على التربية الذاتية سيظهر إن عاجلا أو آجلا . كما أن الاستفادة من هذه المكتبة بعد وفاة صاحبها يعتبر من الصدقات الجارية التي تنفع المرء بعد موته .

ب ـ المحاضرات والندوات

تزخر الأمة المتقدمة بالكثير من المجامع العلمية والمنتديات الفكرية التي يلتقي فيها العلماء والمثقفون والمفكرون لمعرفة الجديد والمفيد عبر المحاضرات والندوات واللقاءات في شتى مجالات المعرفة والواقع . وحضور مثل تلك المحاضرات والندوات يعتبر رافدا مهما من روافد ملء الفراغ بما يفيد في التربية الذاتية . وتكون المحاضرة غالبا تلخيصا لكم هائل من المعلومات وربما لتجارب سنوات عديدة تلقى على المستمعين في فترة محدودة وتوفر عليهم وقتا وجهدا كبيرين في تحصيل واستيعاب تلك المعلومات . كما أن في حضور الندوات فرصة للاستفادة من خبرات الآخرين وتجاربهم وفرصة لمعرفة وجهات النظر المتباينة أو المتفقة وتعويد النفس على تمحيص الآراء لانتقاء الصالح منها والمناسب .

قال تعالى: { الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه أولئك الذين هداهم الله وأولئك هم أولو الألباب } [ الزمر: 18 ]

روى الخطيب البغدادي بإسناده عن عبد الله بن عباس قوله: العلم كثير ولن تعيه قلوبكم ولكن ابتغوا أحسنه ، ألم تسمع قوله تعالى - وقرأ الآية السابقة - (1) ، وفي المجتمع المسلم يجد المؤمن نفسه في مواقف كثيرة يستعمل فيها حاسة السمع مثل خطب الجمع والأعياد والاستماع إلى المؤذن لترديد الأذان خلفه والاستماع إلى قراءة الإمام في الصلاة الجهرية وغير ذلك من المواقف . قال تعالى: { وإذا قرئ القرآن فاستمعوا له وأنصتوا لعلكم ترحمون } [ الأعراف: 204 ] وهذا رسولنا العظيم يطلب من صاحبه عبد الله بن مسعود أن يقرأ له آيات من كتاب الله ، قال - رضي الله عنه - قال لي النبي صلى الله عليه وسلم: اقرأ علي القرآن . قلت: أأقرأ عليك وعليك أنزل ؟ فيقول عليه السلام: إني أحب أن أسمعه من غيري . [ البخاري: 3/351 ] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت