ولا تكاد تمر على الطالب في مراحله الدراسية المختلفة محاضرة أو درس إلا ويكون للاستماع والإنصات نصيب كبير من وقت تلك المحاضرة أو الدرس . وهنا يلفت الباحث نظر المسئولين عن التربية والتعليم والتوجيه والإرشاد إلى الاهتمام باستغلال ملكة السماع لدى المتربين والناشئة لما لها من أثر في تشرب المعرفة وازدياد الإيمان .
ولكي تكون تلك المحاضرات والندوات رافدا من روافد التربية الذاتية ينبغي على الفرد أن يتبعها في مظانها من خلال الجامعات والنوادي الأدبية والمساجد وليحرص قبلا على معرفة المشاركين في تلك اللقاءات الفكرية لأخذ فكرة موجزة على الأقل عنها وحتى لا يفاجأ بأن الوقت قد ضاع في الاستماع لأفكار سخيفة وماجنة .
ويأتي من ضمن المصادر المعاصرة للاستماع والتي تساهم بشكل فعال في التربية الذاتية ما يعرف بالشريط الإسلامي الذي يسهل اقتناؤه ويمكن الاستفادة منه في البيت والسيارة وفي السفر أو الحضر وفي الصباح أو المساء ، أي في الزمان والمكان والحال الذي يختاره الإنسان لنفسه أو الذي يتيسر له فيه الاستماع إليه .
وفي عصرنا الحاضر استحدثت إذاعة للقرآن الكريم يذاع من خلالها برامج ثقافية وشرعية وتلاوات للقرآن الكريم . ولا شك أن في متابعة برامج هذه الإذاعة خير كثير وفوائد جمة . ولذا ينصح الباحث كل مهتم بتربية ذاته أن يتابع برامج هذه الإذاعة لكي يستفيد من برامجها أولا ولكي يسلم من الأذى الذي تبثه الإذاعات الأخرى ثانيا .
جـ ـ اللهو المباح:
لا حرج على المسلم أن يقضي جزءا من وقته في اللهو المباح والمتعة البريئة على ألا يجور في ذلك على حق ربه أو حق نفسه أو حق غيره من المخلوقين . وفي ديننا والحمد لله فسحة للترويح عن النفس كي تبقى معطاءة على الدوام .
عن عطاء بن أبي رباح قال: رأيت جابر بن عبد الله وجابر بن عمير الأنصاريين - رضي الله عنهما - يرتميان فمل أحدهما فجلس فقال له الآخر: كسلت ؟ سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: كل شيء ليس من ذكر الله عز وجل فهو لغو ولهو أو سهو إلا أربع خصال: مشي الرجل بين الغرضين وتأديبه فرسه وملاعبته أهله وتعلم السباحة . [ رواه أبو نعيم في الحلية . نقلا عن الألباني في الصحيحة برقم 315 ] .
ففي هذا الحديث بيان لبعض وسائل الترويح المباحة . فمن اللهو مباسطة الرجل أهله ومؤانستهم وملاعبتهم . روت عائشة - رضي الله عنها - قالت: كان الحبش يلعبون بحرابهم فسترني رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنا أنظر فما زلت أنظر حتى كنت أنا أنصرف ، فاقدروا قدر الجارية الحديثة السن تسمع اللهو . [ البخاري: 3/385 ] .
وفي ذلك يعلق خلدون الأحدب: وكان ذلك منه صلى الله عليه وسلم إدراكا لحقيقة النفس البشرية وتلبية لنداء الفطرة ، فتمكين القلوب من حقها في الراحة وترويح النفس بأضرب من اللهو المباح يجعل المرء أقدر على مواصلة عطائه بل أكثر استفادة من زمانه (1) .
ومن اللهو المباح ممازحة الرجل لأصدقائه ورفقائه على ألا يخرج في مزاحه عن الضوابط الشرعية . عن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: قالوا: يا رسول الله إنك تداعبنا . قال: نعم غير أني لا أقول إلا حقا .
[ الترمذي: 4/314 ، وصححه الألباني في مختصر الشمائل المحمدية برقم 202 ]
وعن معاوية بن حيدة - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ويل للذي يحدث بالحديث ليضحك به القوم فيكذب ، ويل له ويل له .
[ رواه الترمذي 4/483 وقال: حديث حسن ]
وللهو المباح أنواع أخرى ، فمنه ما يفيد في تنمية الجسم والقوى العضلية كبعض الألعاب الرياضية التي قد لا تحتاج إلى مدرب أو موجه مثل المشي الطويل والجري والرماية . ويمكن استغلال فترات من هذه الرياضات في التسبيح والتحميد والتهليل وغيرها من أذكار اللسان التي لا تكلف المرء إلا تحريك لسانه فقط . ومن اللهو أيضا ما يفيد في تغذية العقل وترويح القلب كمناشدة الأشعار وطرح المسابقات الذهنية والثقافية وذكر الطرائف والنوادر .
روي عن علي - رضي الله عنه - قوله: اجمعوا هذه القلوب وابتغوا لها طرائف الحكمة فإنها تمل كما تمل الأبدان . وعن الزهري قوله: كان بعض العلماء يقول: هاتوا من أشعاركم فإن الأذن مجاجة والنفس حمضة . وقوله أيضا: روحوا القلوب ساعة وساعة (1) .
ومن اللهو المباح أيضا ما يفيد في ترويض العقل والجسم معا كالاستفادة من الألعاب التربوية أو توجيه الألعاب الرياضية وجهة تربوية وهنا تبرز أهمية اتخاذ الألعاب كوسيلة للتربية الذاتية وللتربية عموما في مختلف المراحل التربوية وحسب الفروق الفردية . ولهذا الغرض يجب أن تنظم الألعاب تنظيما تربويا لتحقيق أهداف تربوية عدة لا لمجرد شغل الوقت في أغراض تافهة أو بدون غرض ، بل ينبغي توجيهها لاكتساب المثل العليا والأخلاق الفاضلة وخاصة في المعسكرات التربوية والرحلات الهادفة (2)
وهناك وسائل أخرى كثيرة لملء الفراغ وشغله بما يعود على المرء بالفائدة والخير ولكن المجال لا يتسع لحصرها ومنها: الرحلات والمخيمات - صلة الأرحام والزيارات بين الأصدقاء - الاشتراك في الأنشطة الاجتماعية المفيدة التي تنفع الإسلام والمسلمين .
أما إذا استعرضنا حال علمائنا الأوائل في شغل أوقاتهم لرأينا العجب العجاب . يحدثنا الإمام ابن عقيل عن نفسه فيقول: إني لا يحل لي أن أضيع ساعة من عمري حتى إذا تعطل لساني عن مذاكرة ومناظرة وبصري عن مطالعة أعمل فكري في حال راحتي وأنا مستطرح فلا أنهض إلا وقد خطر لي ما أسطره ، وإني لأجد من حرصي على العلم وأنا في عشر الثمانين أشد مما كنت أجده وأنا ابن عشرين . (3)