فهرس الكتاب

الصفحة 748 من 1037

ويذكر الحافظ الذهبي في ترجمة أبي حاتم الرازي أن أبا حاتم قال: قال لي أبو زرعة: ما رأيت أحرص على طلب الحديث منك . فقلت له: إن عبد الرحمن ابني لحريص . فقال: من أشبه أباه فما ظلم . ولما سئل عن اتفاق السماع له وسؤالاته عن أبيه أجاب بأنه كان يستغل كل لحظة يقضيها مع والده فإذا ما أكل قرأ عليه وإذا مشى قرأ عليه وإذا دخل الخلاء قرأ عليه وإذا دخل البيت في طلب شيء قرأ عليه (1) . وبمثل هذا يكون ملء الفراغ .

إن من لا يستشعر أهمية الوقت يحس بالغبن يوم القيامة فإن كان مفرطا ندم على تفريطه وإن كان مقصرا ود لو كان من المحسنين .

2ـ الوسائل الضارة:

من وسائل ملء الفراغ ما يكون ذا أثر سلبي ومعيقا للتربية الذاتية . ومن هذه الوسائل:

أ ـ الإفراط في النوم .

ب ـ الانغماس في اللهو والباطل .

ونشير إلى أثر هاتين الوسيلتين على التربية الذاتية:

أ ـ الإفراط في النوم:

يظن بعض الناس أن كثرة النوم وزيادته دليل على إعطاء النفس حقها من الراحة والفائدة . والصحيح أن في ذلك ضررا بالغا على النفس .

فمن أضراره أنه يصرف النائم عن أداء أعمال كثيرة مفيدة ويقلل من فرص استثمار وقت الفراغ التي كان من المفترض أن يشغله فيما يعود عليه بالنفع والصلاح . ومن نام كثيرا خسر كثيرا .

وقد دلت الدراسات والأبحاث على أهمية الإقلال من النوم وإنقاص ساعاته بشكل معقول . يقول الدكتور حمدي (2) : فالأطباء يقولون إن الأشخاص الذين يكتفون بفترة نوم قصيرة هم أكثر حيوية ونشاطا من الذين تزيد فترة نومهم عن الثماني ساعات ! ذلك أن محبي النوم غالبا ما يتميزون بالقلق والانطواء والعزلة والكآبة ويغلب عليهم الكبت الجنسي والانهيار العصبي والتردد والحيرة والتأثر بأقل سبب .. والتطير ، كما أنهم غالبا ما يأخذون مشكلاتهم الشخصية مأخذا جديا مفرطا ولذلك يبدون بنومهم هذا وكأنهم يهربون من الحياة ومشكلاتها ومواجهتها .

فكثرة النوم تعتبر هروبا من الواقع ، بينما الحياة ساعات قليلة تستغل في مواجهة هذا الواقع ومجاهدة النفس للتغلب عليه وتوجيهه نحو الأفضل . ويقول حمدي أيضا: كما أن الدراسات التي قام بها الأخصائيون تثبت أن الذين ينامون فترات قصيرة يستمتعون بنوم أعمق من أولئك الذين ينامون أكثر من المعدل اللازم .. فالنوم الكثير ليس صحيا والنوم الأقل يمكن أن يكون شافيا . (1)

ولذل فليراقب المرء نفسه في مقدار النوم الذي يصرف وقته فيه . والمسألة بالتعود ، كما أن النفس تميل إلى ما عودتها عليه .

ومن الأوقات التي غفل عنها وفرط بالنوم فيها كثير من الناس الوقت الذي يلي صلاة الفجر ، وهذا إن لم يناموا عن صلاة الفجر نفسها ولم يستيقظوا إلا بعد طلوع الشمس . وهذا الوقت من الأوقات المباركة التي تقسم فيها الأرزاق المادية والمعنوية . وقد حث النبي صلى الله عليه وسلم على التبكير في طلب العلم والسعي إلى الرزق وذلك لعلمه بما فيه من الخير والبركة .

عن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: بورك لأمتي في بكورها . [ رواه الطبراني في الأوسط . نقلا عن الألباني في صحيح الجامع برقم 2838 ] .

كما روى الصحابي الجليل صخر بن وداعة الغامدي عن النبي صلى الله عليه وسلم قوله: اللهم بارك لأمتي في بكورها . وقال: وكان إذا بعث سرية أو جيشا بعثهم في أول النهار . وقد استفاد هذا الصحابي من هذا الحديث حيث كان تاجرا فكان يبعث تجارته أول النهار فأثرى وكثر ماله (2)

ولما كان التبكير يجلب الخير ويكثر الربح ويزيد في إنجاز الأعمال وفي إتمامها فإن حرص المرء على عدم النوم في ذلك الوقت المبارك يجعله مستغلا له فيما ينفعه ويساهم في تربية ذاته وتزكيتها .

ب ـ الانغماس في اللهو والباطل

ومن الوسائل الضارة لملء الفراغ والتي تصرف عن التربية الذاتية الانغماس في اللهو والباطل وخاصة عند متابعة كثير من برامج الفيديو والتلفزيون . وتمتاز هاتان الوسيلتان بأنها تثير المشاهدين بلقطاتها الباهرة السريعة مستخدمة أساليب التقنية الحديثة في إعدادها وتنفيذها ورغم ذلك فهي لا تحمل في طياتها إلا قدرا ضئيلا من الفائدة . والأمر المؤسف أن الصور التلفزيونية المتتابعة أمام المشاهد تقف حجر عثرة ضد الملكة النقدية لديه فتتحول تلك الصور لا شعوريا إلى عقله الباطن لتصبح مسلمات وحقائق . وإذا ما استمر الفرد على هذه الحالة مستقبلا لكل ما يعرض عليه من ثقافات وعادات ومتشربا لها فسيفقد يوما ما هويته وشخصيته الأصلية . وهكذا يتبين أن للتلفزيون دورا محدودا في التربية والتعليم . يقول مروان كجك: إن أفضل أنواع التعليم هي التي تعتمد على المشاركة ... ومشاهدة التلفزيون تعتمد على الأخذ فقط والاستغناء عن التفاعل ولا يمكنها عمل شيء سوى استرعاء انتباهك ... ولذا فإن المعلومات تستمر ولكننا لا نتفاعل بعد ذلك ، لا نعرف مع أي شيء نتفاعل ، وعندما تشاهد التلفزيون فإنك تدرب نفسك على عدم التفاعل وتنمي فيك السلبية (1)

وليس ذلك فحسب ، بل إن التلفزيون ينقض في فترة وجيزة ما يبنيه المربون خلال سنوات ، أي أن التلفزيون يروج لعملية التربية الموازية والمضادة لعمليات التربية التي تقوم بها المساجد والمدارس والأسر (2) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت