8-ما حصل من توافق في بعض الأحكام لا يدل على أن الرسول صلى الله عليه وسلم أخذ منهم ، وتعلم على أيديهم ، وإنما لكون اليهودية والنصرانية أصلهما صحيح يتفق مع أصول الإسلام ، لولا ما اعتراهما من تحريفٍ وتغيير وتبديل . و من التماثل بين شرائع الله تعظيم الكعبة التي بناها إبراهيم عليه السلام و عظمها لأمر الله ، ثم عظمها رسول الله لتعظيم الله لها فقد جعلها قبلة لعباده ، و تقبيل الحجر الأسود من ذلك التعظيم ، و قد قال عمر رضي الله عنه عندما وقف عليه يقبله"إني أعلم أنك حجر لا تضر و لا تنفع ، و لولا أني رأيت النبي صلى الله عليه وسلم يقبلك ما قبلتك".
و لم يكن تعظيم الرسول للكعبة تعظيم عبادة، إنما كان تعظيمًا لشعائر الإسلام و هي منها ، فقد أمر الله نبيه إبراهيم ببناء هذا البيت و تطهيره لعبادته.
هذا و لم يعرف في العرب قط رغم عبادتهم للأصنام أن أحدًا منهم عبد الكعبة أو الحجر الأسود.
و أما قول القس و غيره من النصارى عن بحيرا الراهب و نسطور فهو كلام لا دليل عليه البتة ، و الموجود في كتب التاريخ الإسلامي أن رسول الله سافر إلى الشام مرتين إحداهما في طفولته حيث لقيه بحيرا الراهب ، و طلب من أبي طالب أن يحذر على ابن أخيه ، و الثانية في شبابه حيث ذهب في تجارة خديجة ، و عاد بعدها مباشرة ، و من الكذب القول بأن بحيرا قد ذهب معه إلى مكة ، و أنه قد علمه قصص الكتاب المقدس ، بل إن مجرد المقارنة بين قصص الكتاب المقدس و القرآن الكريم المشابهة كقصة آدم و نوح و إبراهيم ، إن مجرد التأمل فيها و المقارنة بينها يكفي في رد هذه الشبهة.
و هذه الشبهة قديمة ذكرها القرآن الكريم و أجاب عنها قال تعالى { و لقد نعلم أنهم يقولون إنما يعلمه بشر لسان الذين يلحدون عليه أعجمي و هذا لسان عربي مبين } { وقال الذين كفروا إن هذا إلا إفك افتراه و أعانه عليه قوم آخرون فقد جاءوا ظلمًا وزورًا * و قالوا أساطير الأولين اكتتبها فهي تملى عليه بكرة و أصيلًا * قل أنزله الذي يعلم السر في السماوات و الأرض إنه كان غفورًا رحيمًا } { و ما كنت تتلو من قبله من كتاب و لا تخطه بيمينك إذًا لارتاب المبطلون } .
و من المعلوم أن أول ترجمة عربية للتوراة كانت بعد ظهور الإسلام بقرن من الزمان ، حيث كان أسقف اشبيلية يوحنا أول من ترجم التوراة إلى العربية عام 750م ، ثم ترجمها سعدية بن يوسف عام 942م ، وكتبها بأحرف عبرية ، ثم كتبها يافث بن علي في أواخر ذلك القرن بأحرف عربية .
و يعجب المرء كيف ينسب للنبي صلى الله عليه وسلم الاطلاع على كتب لم يكن بمقدور الأحبار و الرهبان في ذلك الزمان أن يطلعوا عليها كاملة
و أما قول القس بأن القرآن منحول من شعر العرب و استدلاله بتماثل بعض الآيات مع شعر امرئ القيس فهو مرفوض من وجوه
1-أن هذه الأبيات غير موجودة في كتب الشعر والأدب العربى أصلا
2-أن هذه الأبيات غير موجودة في ديوان امرىء القيس ولا في أشعاره
3-أن هذه الأبيات لوكانت لامرىء القيس كما ذكروا لعرف العرب ذلك ولجعلوها حجة على النبى إذ لايخفى عليهم شعر امرىء القيس فهو من أشهر شعرائهم إن لم يكن أشهرهم على الإطلاق
4-أن هذه الأبيات فيها ذكر الساعة والأخرة وهو مالم يكن يؤمن به الشعراء في العصر الجاهلى كامرىء القيس وغيره ويبعد جدا إن لم يستحل أن تصدر هذه الأبيات الوعظية إن صح التعبير من شاعر جاهلى قضى حياته بين الخمر والنساء
5-أن هذه الأبيات منسوبة فعلا إلى غير امرىء القيس ممن أدرك الإسلام كما ذكر ذلك الذهبى رحمه الله
6-أن التماثل في بعض الألفاظ لا يعني النقل على كل حال ، و وقوع التماثل أمر طبيعي إذ جاء القرآن بما تعهده العرب في كلامها من أمثلة و استعارات و سوى ذلك من ضروب البلاغة
7-أن الوليد بن المغيرة شهد للقرءان بأنه ليس من جنس الشعر فضلا عن أن يكون مقتبسا منه فقالا ( والله ما فيكم رجل أعلم بشعر العرب منى ولا بأشعار الجن منى والله ما يشبه الذى يقول شيئا من ذلك )
8-أن الشعراء الكبار كامرىء القيس نحلت عليهم قصائد بأكملها لم يقولوا منها حرفا واحدا .
(( شبكة بن مريم الإسلامية ) )+ (( منتديات النور الإسلامية ) )
الشبهة الثالثة: حول ثبوته
أثار النصارى شبهات تتعلق بثبوت القرآن الكريم ، فالنصارى يعتقدون أن القرآن كان عند وفاة النبي صلى الله عليه وسلم نصوصًا متنافرة و حدها عثمان ، يقول سويجارت:"بعد وفاته ( أي صلى الله عليه وسلم ) كان يوجد عدد لا بأس به من نسخ القرآن المتداولة التي لم تستقر بعد…الخليفة عثمان كان عليه أن يوحد النصوص…لأن نصوصًا كثيرة من القرآن كانت موجودة … بعث عثمان إلى كل إقليم إسلامي بنسخة مما تم نسخه ، و أمر أن تحرق جميع المواد القرآنية الأخرى…، إن لم تكن متناقضة فإني أستغرب لماذا أمر بإحراقها ؟".
و يقول الحداد الخوري عن اقتصار عثمان في جمعه للقرآن على حرف واحد:"بذلك أضاعوا علينا معرفة ما كان في الأحرف الستة من مباينات و مناقضات و اختلافات بالنسبة إلى الحرف الذي أثبتوه و اقتصروا عليه".
و تحدث الحداد أيضًا عما أسماه"الإصدار الثالث للقرآن"، و قصد به المصحف الذي نقطه الحجاج بن يوسف الثقفي ، و أراد الحداد أن يوهم بأن ثمة تبديلًا أو تغيرًا طرأ على القرآن حينذاك"."
و تحدث النصارى عن إسقاط المسلمين لبعض الآيات و السور القرآنية كآية رجم الزاني وسورة الحفد و الخلع ، و يقول الخوري معقبًا:"و هكذا فقد أسقط عثمان من الصحف قرآنًا كثيرًا".
و للرد على هذه الشبهة شرح علماؤنا كيفية نزول القرآن و حفظه من قبل الصحابة في عهد النبي صلى الله عليه وسلم و بعده.