فهرس الكتاب

الصفحة 787 من 1037

أما زيد بن حارثة ـ زوج زينب قبل الرسول ـ فكان يُدعى قبل الإسلام بزيد بن محمد لكنه لم يكن من أولاد الرسول صلى الله عليه وسلم ، بل كان غلاما اشترته خديجه بعد زواجها من النبي ثم أهدته إلى النبي فأعتقه الرسول في سبيل الله ، ثم تبنّاه النبي تبنيًا اعتباريا على عادة العرب لرفع مكانته الاجتماعية بعدما عامله والده و قومه بالهجران والطرد ، وهكذا فقد منحه الرسول احتراما كبيرا و شرفا عظيما و رفع من شأنه بين الناس حتى صار يُدعى بين الناس بابن محمد .

وعندما أحس النبي بحاجة زيد إلى الزواج أمره بخطبة بنت عمته زينب بنت جحش ، لكن زينب رفضت ذلك تبعا للتقاليد السائدة في تلك الأيام و لاستنكاف الحرة من الزواج من العبد المعتق خاصة و إن زينب كانت من عائلة ذات حسب و شأن ، فنزلت الآية الكريمة التالية

)) وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَن يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُّبِينًا (( فأخبرت زينب النبي بقبولها بهذا الزواج ، و هكذا فقد تم الزواج برضا زينب ، نزولا عند رغبة الرسول و خضوعا لحكم الله تعالى . قال الحافظ ابن كثير:"زوج رسول الله صلى الله عليه وسلم زيدًا بابنة عمته زينب بنت جحش الأسدية ، وأمها أُميمة بنت عبد المطلب ، وأصدقها عشرة دنانير وستين درهمًا ، وخمارًا .. فمكثت عنده قريبًا من سنة أو فوقها .."( تفسير ابن كثير 3 / 495

وهنا نقول لهؤلاء الحاقدين: كيف يطمع الرسول في زينب وهو الذي اقترح واختار زواجها لزيد اساسًا ؟

لقد أراد الرسول صلى الله عليه وسلم كسر العادات والتقاليد الخاطئة والتي كانت تمنع زواج العبيد المعتقين من بنات العوائل المعروفة ، و بالفعل فقد تحقق للنبي العظيم ما أراد و تمكن من تطبيق المساواة بصورة عملية بين أفراد المجتمع الإسلامي .

طلاق زينب:

بعد ذلك تأثرت العلاقة الزوجية بين الزوجين ـ زينب و زيد ـ و آل أمرهما إلى الطلاق والانفصال رغم المحاولات الحثيثة التي قام بها النبي لمنع وقوع الطلاق ، و لم تؤثر نصائح النبي في زيد و لم يفلح في تغيير قرار زيد الخاطئ فوقع الطلاق .

زواج النبي صلى الله عليه وآله وسلم من زينب:

لا بُدَّ من الإشارة هنا إلى إن زواج النبي من زينب إنما كان بأمر من الله تعالى ولكن النبي كان يخشى العادات و التقاليد التي تُحرم زواج الرجل من زوجة ابنه من التبني لاعتباره ابنًا حقيقيا ، و إلى هذه الحقيقة يُشير القرآن الكريم حيث يقول (( وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَاتَّقِ اللَّهَ وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَن تَخْشَاهُ ... ) ).

قال القاضي عياض:"وأصح ما في هذا ما حكاه أهل التفسير عن علي بن حسين ـ أن الله تعالى كان أعلم نبيه أن زينب ستكون من أزواجه ، فلما شكاها إليه زيد قال له: أمسك عليك زوجك واتق الله . وأخفى في نفسه ما أعلمه الله به من أنه سيتزوجها مما الله مبديه و مظهره بتمام التزويج وتطليق زيد لها ."

وروى نحوه عمرو بن فائد ، عن الزهري ، قال: نزل جبريل على النبي يعلمه أن الله يزوجه زينب بنت جحش ، فذلك الذي أخفى في نفسه ويصحح هذا قول المفسرين في قوله تعالى بعد هذا: وكان أمر الله مفعولا ، أي لا بد لك أن تتزوجها .""

قال الحافظ ابن كثير في تفسير قوله تعالى: { وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَن تَخْشَاهُ } ذكر ابن أبي حاتم والطبري ها هنا آثارًا عن بعض السلف رضي الله عنهم أحببنا أن نضرب عنها صفحًا لعدم صحتها فلا نوردها . يريد بذلك أمثال: (( فوقعت في قلبه ) (( سبحان مقلب القلوب ) ). فهذه كلها آثار لم تثبت صحتها. و هذا ما ذهب إليه المحققون من المفسرين كالزهري والقاضي بكر ابن العلاء القشيري والقاضي أبي بكر بن العربي والقاضي عياض في الشفاء.

و لا بُدَّ من الإشارة هنا إلى إن زواج النبي من زينب إنما كان بأمر من الله تعالى ، كما تشهد بذلك تتمة الآية السابقة حيث تقول: { ... فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِّنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا لِكَيْ لَا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ إِذَا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَرًا وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا * مَّا كَانَ عَلَى النَّبِيِّ مِنْ حَرَجٍ فِيمَا فَرَضَ اللَّهُ لَهُ سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلُ وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ قَدَرًا مَّقْدُورًا } [3] .

هذا و إن زينب كانت متفهمة لنية الرسول ولما حباها الله تعالى من الشرف العظيم إذ جعل لها دورا في إزالة عادتين خرافيتين ونالت شرف الزواج من الرسول صلَّى الله عليه وسلم فكانت زينب تفتخر على سائر نساء النبي صلى الله عليه وسلم و تقول: زوَجَكن أهلُوكن و زوجني الله من السماء .

إذن يمكن تلخيص أهداف زواج الرسول صلَّى الله عليه وآله من زينب كالتالي:

1-تعويض زينب عما لحقها و تضررت به من الطلاق و قد رضيت بالزواج من زيد بأمر من الله و رسوله ، فجاء زواج النبى منها تكريما لها وجزاء صبرها وامتثالها أمر الله ورسوله .

2-كسر العادات و التقاليد الخاطئة التي تمنع الزواج من زوجة الابن من التبنّي ، رغم كونه ابنا اعتباريا لا غير أى تشريع في صورة عملية

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت