فهرس الكتاب

الصفحة 788 من 1037

فالاسلام ـ من خلال القرآن الكريم ـ رفض الاعتراف بالتبني الذي كان سائدًا بين العرب في الجاهلية، وعلى أساس ذلك كانوا ينسبون زيد بن حارثة إلى رسول الله فيقولون زيد بن محمد، وجاء الرفض القرآني حاسمًا من خلال قوله تعالى (... وما جعل ادعياءكم أبناءكم ذلكم قولكم بافواهكم والله يقول الحق وهو يهدي السبيل * ادعوهم لابائهم هو أقسط عند الله فإن لم تعلموا آباءهم فاخوانكم في الدين ومواليكم..) سورة الاحزاب. آية4 و5. وكذلك قوله تعالى ( ما كان محمد أبا احد من رجالكم ولكن رسول الله وخاتم النبيين وكان الله بكل شيء عليمًا ( سورة الاحزاب. آية40.

وكان التوجيه القرآني للرسول بالزواج من مطلَّقة (زيد بن حارثة) لأجل تأكيد تجاهل المشرع الاسلامي للعرف الجاهلي لتكون ممارسة الرسول رافعة لكل التباس قد يبقى عالقًا في الاذهان، علمًا أن تزويج الرسول كان بعد تطليقها من جانب زيد بن حارثة فلم تكن هذه المرأة مرتبطة بأكثر من رجل .

وأخيرًا نقول:

أي ضرورة هذه التي تدعو سيدنا محمدًا صلى الله عليه وسلم أن يدرج هذه الآية في القرآن فيقرأها الناس كلهم ، وهي من أول حرف فيها إلى آخر حرف عتاب للرسول شديد ، وكشف عما يخفيه في نفسه من معرفة أنه سيتزوج زينب بعد تطليق زيد لها ، ثم هي بيان لما يخشاه من كلام قومه إذا أقدم فتزوج مطلقة زيد - نقول أي ضرورة تدعو سيدنا محمدًا صلى الله عليه وسلم إلى أن يدرج هذه الآية في القرآن، ويسجلها على مر الدهر كله ، لو لم يكن هذا القرآن كلام خالقه الذي لا يسعه أن يستخفي على حرف واحد منه ؟!

فإن قلت: فما معنى إذًا قوله تعالى في قصة زيد: وإذ تقول للذي أنعم الله عليه وأنعمت عليه أمسك عليك زوجك واتق الله وتخفي في نفسك ما الله مبديه وتخشى الناس والله أحق أن تخشاه

فاعلم ـ أكرمك الله ، و لا تسترب في تنزيه النبي صلى الله عليه و سلم عن هذا الظاهر

و أن يأمر زيدًا بإمساكها وهو يحب تطليقه إياها ، كما ذكر عن جماعة من المفسرين .

و أصح ما في هذا ما حكاه أهل التفسير عن علي بن حسين ـ أن الله تعالى كان أعلم نبيه أن زينب ستكون من أزواجه ، فلما شكاها إليه زيد قال له: أمسك عليك زوجك واتق الله . وأخفى في نفسه ما أعلمه الله به من أنه سيتزوجها مما الله مبديه و مظهره بتمام التزويج وتطليق زيد لها . وروى نحوه عمرو بن فائد ، عن الزهري ، قال: نزل جبريل على النبي يعلمه أن الله يزوجه زينب بنت جحش ، فذلك الذي أخفى في نفسه وذلك لأمور منها:-

1-قول المفسرين في قوله تعالى بعد هذا: وكان أمر الله مفعولا ، أي لا بد لك أن تتزوجها .

2-قوله تعالى ( وتخفى في نفسك ما الله مبديه ) أن الله لم يبد من أمره معها غير زواجه لها ، فدل أنه الذي أخفاه صلى الله عليه و سلم مما كان أعلمه به تعالى .

3-قوله تعالى في القصة (( ما كان على النبي من حرج فيما فرض الله له سنة الله في الذين خلوا من قبل وكان أمر الله قدرا مقدورا (( فدل أنه لم يكن عليه حرج في الأمر .

قال الطبري: ما كان الله ليؤثم نبيه فيما أحل مثال فعله لمن قبله من الرسل ، قال الله تعالى: سنة الله في الذين خلوا من قبل ، أي من النبيين فيما أحل لهم ، ولو كان على ما روي في حديث قتادة من وقوعها من قلب النبي صلى الله عليه و سلم عندما أعجبته ، ومحبته طلاق زيد لها لكان فيه أعظم الحرج ، وما لا يليق به من مد عينيه لما نهي عنه من زهرة الحياة الدنيا ، و لكان هذا نفس الحسر المذموم الذي لا يرضاه ولا يتسم به الأتقياء ، فكيف سيد الأنبياء ؟ .

قال القشيري: و هذا إقدام عظيم من قائله ، و قلة معرفة بحق النبي صلى الله عليه و سلم و بفضله . و كيف يقال: رآها فأعجبته وهي بنت عمه ، و لم يزل يراها منذ ولدت ، و لا كان النساء يحتجبن منه صلى الله عليه و سلم ، و هو زوجها لزيد ، و إنما جعل الله طلاق زيد لها ، و تزويج النبي صلى الله عليه و سلم إياها ، لإزالة حرمة التبني و إبطال سنته ، كما قال: ما كان محمد أبا أحد من رجالكم . و قال: لكي لا يكون على المؤمنين حرج في أزواج أدعيائهم [ سورة الأحزاب 33 ، الآية: 40 ] . و نحوه لابن فورك .

و قال أبو الليث السمرقندي: فإن قيل: فما الفائدة في أمر النبي صلى الله عليه و سلم لزيد بإمساكها ؟ فهو أن الله أعلم نبيه أنها زوجته ، فنهاه النبي صلى الله عليه و سلم عن طلاقها ، إذ لم تكن بينهما ألفة ، و أخفى في نفسه ما أعلمه الله به فلما طلقها زيد خشي قول الناس: يتزوج إمرأة ابنه ، فأمره الله بزواجها ليباح مثل ذلك لأمته ، كما قال تعالى: لكي لا يكون على المؤمنين حرج في أزواج أدعيائهم إذا قضوا منهن وطرا [الأحزاب 33 ، الآية: 37.

قال: و ليس معنى الخشية هنا الخوف ، و إنما معناه الاستحياء ، أي يستحي منهم أن يقولوا: تزوج زوجة ابنة .

و أن خشيته صلى الله عليه و سلم من الناس كانت من إرجاف المنافقين و اليهود و تشغيبهم على المسلمين بقولهم: تزوج زوجة ابنه بعد نهيه عن نكاح حلائل الأبناء ، كما كان ، فعتبة الله على هذا ، و نزهه عن الالتفاف إليهم فيما أحله له ، كما عتبه على مراعاة رضا أزواجه في سورة التحريم بقوله: لم تحرم ما أحل الله لك تبتغي مرضاة أزواجك والله غفور رحيم . وكذلك قوله له ها هنا (( وتخشى الناس والله أحق أن تخشاه ) )

و قد روي عن الحسن و عائشة: لو كتم رسول الله ـ صلى الله عليه و سلم ـ شيئًا كتم هذه الآية لما في من عتبه و إبداء ماأخفاه ) موقع المسيحية في الميزان)

الشبهة الخامسة عشر والسادسة عشرة

ومن الشبهات التي أثيرت حول شخصه الكريم ، أنه ميّال للنساء ، منشغل بهن ، وقد أكثر منهنّ حتى بلغن إحدى عشرة زوجة

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت