ابْنَ عَبَّاسٍ فِي هَذِهِ الْقَضِيَّةِ , لِأَنَّ فِيهَا: لَا حَدَّ عَلَى عَبْدٍ , وَهُمْ لَا يَرَوْنَ هَذَا , وَلَا حَدَّ عَلَى ذِمِّيٍّ - وَهُمْ يَرَوْنَ الْحَدَّ عَلَيْهِ فِي الْقَذْفِ وَالسَّرِقَةِ قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ رحمه الله: فَإِذْ قَدْ تَعَارَضَتْ الرِّوَايَتَانِ عَنْ مُجَاهِدٍ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ؟ فَقَدْ بَطَلَ التَّعَلُّقُ بِإِحْدَاهُمَا دُونَ الْأُخْرَى , وَوَجَبَ رَدُّهُمَا إلَى كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى , فَلِأَيِّ الْقَوْلَيْنِ شَهِدَ الْقُرْآنُ , وَالسُّنَّةُ فَهُوَ الْحَقُّ , وَعَلَى كُلِّ حَالٍ - فَقَدْ بَطَلَ كُلُّ قَوْلٍ شَغَبَ بِهِ الْحَنَفِيُّونَ , وَالْمَالِكِيُّونَ , وَلَمْ يَبْقَ لَهُمْ حُجَّةٌ أَصْلًا أَمَّا الْآيَةُ فَإِنَّهَا مَنْسُوخَةٌ , وَلَوْ صَحَّ أَنَّهَا مُحْكَمَةٌ لَمَا كَانَ لِمَنْ أَسْقَطَ بِهَا إقَامَةَ الْحُدُودِ عَلَيْهِمْ مُتَعَلِّقٌ , لِأَنَّهُ إنَّمَا فِيهَا التَّخْيِيرَ فِي الْحُكْمِ بَيْنَهُمْ , لَا فِي الْحُكْمِ عَلَيْهِمْ جُمْلَةً , وَإِقَامَةُ الْحُدُودِ حُكْمٌ عَلَيْهِمْ لَا حُكْمٌ بَيْنَهُمْ , فَلَيْسَ لِلْحُدُودِ فِي هَذِهِ الْآيَةِ مَدْخَلٌ أَصْلًا , بِوَجْهٍ مِنْ الْوُجُوهِ - فَسَقَطَ التَّعَلُّقُ بِهَا جُمْلَةً وَأَمَّا عُهُودُ مَنْ عَاهَدَهُمْ عَلَى الْحُكْمِ بِأَحْكَامِهِمْ , فَلَيْسَ ذَلِكَ عَهْدُ اللَّهِ تَعَالَى , بَلْ هُوَ عَهْدُ إبْلِيسَ وَعَهْدُ الْبَاطِلِ , وَعَهْدُ الضَّلَالِ , وَلَا يَعْرِفُ الْمُسْلِمُونَ عُقُودًا وَلَا عُهُودًا إلَّا مَا أَمَرَ اللَّهُ تَعَالَى بِهِ فِي الْقُرْآنِ وَالسُّنَّةِ , فَهِيَ الَّتِي أَمَرَ اللَّهُ تَعَالَى بِالْوَفَاءِ بِهَا , كَمَا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وآله وسلم { كُلُّ شَرْطٍ لَيْسَ فِي كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى فَهُوَ بَاطِلٌ } وَقَالَ عليه السلام { مَنْ عَمِلَ عَمَلًا لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ } وَإِنْ قَالُوا: قَالَ اللَّهُ تَعَالَى { لَا إكْرَاهَ فِي الدِّينِ } قُلْنَا: نَعَمْ , مَا نُكْرِهُهُمْ عَلَى الْإِسْلَامِ , وَلَا عَلَى الصَّلَاةِ , وَلَا عَلَى الزَّكَاةِ , وَلَا عَلَى الصِّيَامِ , وَلَا الْحَجِّ , لَكِنْ مَتَى كَانَ لَهُمْ حُكْمٌ حَكَمْنَا فِيهِ بِحُكْمِ الْإِسْلَامِ , لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى { وَأَنْ اُحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ إلَيْكَ } وَقَالَ تَعَالَى { أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنْ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ } ؟ فَافْتَرَضَ اللَّهُ تَعَالَى عَلَى لِسَانِ رَسُولِهِ عليه السلام أَنْ لَا تَتَّبِعَ أَهْوَاءَهُمْ , فَمَنْ تَرَكَهُمْ وَأَحْكَامَهُمْ: فَقَدْ اتَّبَعَ أَهْوَاءَهُمْ , وَخَالَفَ أَمْرَ اللَّهِ تَعَالَى فِي الْقُرْآنِ