*الدينية:سبق تحديد الخطوط العامة لمفهوم الدين، خصوصا في الأديان السماوية الثلاثة حيث تعتبر جميع الأديان السماوية من حيث المصدر وكثير من الأساسيات: دينا موحدا يرجع إلى إبراهيم عليه السلام والحنيفية السمحاء، ولذلك لم يكن البعد الديني محورا أساسيا في بناء المجتمع والتفاعل بين أبنائه اقتصاديا واجتماعيا وثقافيا. ولم يكن الدين محورا للاندماج والتكامل الاجتماعي. ولكن مع الممارسات العثمانية في مرحلة انحدار الدولة، ومع تدخل القوى الأوربية بصوره المختلفة: بدأ الدين ينقلب إلى دينية أيديولوجية تنفي الآخر، وتنعزل عنه بصورة أو بأخرى، فبدأت الدولة العثمانية تعامل المسيحيين كأجانب واستغلت الدول الأوربية ذلك وادعت الحماية واستجابت طائفة من المسيحيين ودعت إلى الانفصال. وفي نفس الوقت بدأت القوى السياسية المنتمية إلى المجموع المسلم من العرب تدعو أحيانا إلى رفض الدين وإخراجه من العملية السياسية، أو إلى هيمنة الدين بمفهومه المضيق على مجمل الحياة السياسية. وقبل ذلك لم يكن هناك وجود لمثل هذه الإشكاليات في العقل العربي بنفس الحدة والكيفية، فلم يكن العقل العربي يقيم تطابقا بين الدين والجنس أو الدين والقومية.ولعل تغلغل العقلية اليهودية في إطار الحضارة العربية أدى إلى نوع من التطابق بين الدين والجنس واللغة، بحيث يصبح الإسلام مساويا للعروبة وللعربية، فقد كان العقل العربي قبل ذلك يدرك الحدود والفوارق، ويعلم أن الدين للبشرية، وأن اللغة أداة والجنس ممتد متواصل ولكل حدود ولكل حقوق؛ فحقوق أبناء الرابطة اللغوية والمكانية والعرقية لا تفت فيها حقوق الرابطة الدينية. وقد ظهر -على مر التاريخ- كيف كان الاختيار عندما تعارضت الروابط فلم ينحز المسيحيون العرب لأمثالهم في الدين من الأوربيين في الحروب الصليبية، ولم يستقر حال المسلمين العرب مع ممارسات الدولة العثمانية ضد بعض الطوائف المسيحية ولم يرتضوا ذلك منها. وكذلك ممارساتها ضد المذاهب والطوائف الإسلامية لم تكن موضع رضا العرب عموما... إلخ.
*الأيديولوجية:على الرغم من أن البيئة الفكرية العربية على مر تاريخها قد عرفت العديد من السجالات الفكرية والخلافات المذهبية والاعتقادية، فإنها لم تعرف مفهوم الأيديولوجيا بمدلولاته الفنية، أي تلك البيئة الفكرية المحكمة التي تتسم بقدر من الانفلات والتناقض مع الآخر، وتسعى للهيمنة والتطبيع من خلال مشروع سياسي عام؛ فقد دخلت هذه الأطر الفكرية إلى حيز الثقافة العربية مع ازدياد التواصل بالتيارات الفكرية الأوربية خصوصا الاشتراكية. فقد أدى تبني بعض الأحزاب العربية للعقيدة الماركسية إلى ظهور أطروحات مقصدها نفي الرابطة العربية وتجاوزها للأممية الاشتراكية أو الشيوعية، وفي مقابل ذلك كان لتأثر بعض المفكرين المسلمين بعلماء شبه القارة الهندية الأثر عينه؛ إذ لم ترتبط الدعوات الإصلاحية الإسلامية الأخيرة بالعروبة واعتبارها القاعدة الأساس للأمة الإسلامية مثلما كان الحال عند الكواكبي ورشيد رضا ومحمد عبده والأفغاني ومن سبقهم مثل محمد بن عبد الوهاب والألوسيين في العراق والشوكانيين في اليمن وقبلهم ابن تيمية ومدرسته.
*النخبوية:على الرغم من أن الانقسامات الاجتماعية إلى طبقات أو شرائح مسألة طبيعية في كل المجتمعات الإنسانية وعلى الرغم من أن المجتمع العربي طوال تاريخه كان يعرف مفهوم النخبة أو علية القوم ممثلة بمدارس العلماء، فإن انفصال النخبة عن المجتمع مسألة حديثة لم تبرز إلا مع آثار نهضة محمد علي في مصر حيث أدى ازدواج التعليم إلى بروز نخبة مثقفة على الطريقة الغربية تختلف ثقافتها عن ثقافة عامة الأمة. بصورة تجعل من النخبة طائفة منفصلة عن الأمة لها مصالحها وأهدافها وطموحاتها المستقلة؛ وهو ما أدى إلى عدم تفاعل الجماهير مع المشروعات النخبوية التي طرحت في المرحلة الأخيرة.تلك هي أهم الأشكال التاريخية للانقسامات والانشطارات في الوطن العربي وتلك هي الصور المختلفة للطائفية بمعناها العام أو بمضمونها العام، فماذا عن المستقبل الذي هو جوهر بحثنا وماذا علينا أن نفعل لصيانة هذا المستقبل، أو التأثير الإيجابي فيه، أو توجيهه الوجهة المطلوبة؟.
ثالثا- الانقسامات الطائفية العربية من التجانس إلى التجاوز:بداية ينبغي التأكيد على أن المستقبل بأيدينا الآن، نؤثر فيه ونتأثر به، سواء أدركنا أم لم ندرك، ومن ثم فإن العناصر المشكلة للمستقبل هي أهم الظواهر التي نتفاعل معها الآن.وبالنظر إلى مستقبل الطائفية -في الوطن العربي- نجد أنه يأخذ مسلكين مختلفين، أحدهما:
*دوافع التجاوز:فهناك مجموعة من الدوافع التي تقود إلى التجاوز، أي تجاوز الوحدة إلى التشرذم، والهوية العربية إلى هويات أخرى أصغر منها وجزئية منبثقة عنها أو أكبر متجاوزة لها مثل الإسلامية التعميمية الرافضة للعروبة أو الأممية أو العالمية. وأهم هذه الدواعي: