فَإِنَّ هَذِهِ الْأَشْيَاءَ تَجُوزُ فِي الْإِكْرَاهِ , وَلَا تُرَدُّ , وَأَصْلُ الْمَسْأَلَةِ أَنَّ تَصَرُّفَاتِ الْمُكْرَهِ قَوْلًا مُنْعَقِدٌ عِنْدَنَا إلَّا أَنَّ مَا يَحْتَمِلُ الْفَسْخَ مِنْهُ كَالْبَيْعِ , وَالْإِجَارَةِ يُفْسَخُ , وَمَا لَا يَحْتَمِلُ الْفَسْخَ مِنْهُ كَالطَّلَاقِ , وَالنِّكَاحِ , وَالْعَتَاقِ , وَجَمِيعِ مَا سَمَّيْنَا , فَهُوَ لَازِمٌ , وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: تَصَرُّفَاتُ الْمُكْرَهِ قَوْلًا يَكُونُ لَغْوًا إذَا كَانَ الْإِكْرَاهُ بِغَيْرِ حَقٍّ بِمَنْزِلَةِ تَصَرُّفَاتِ الصَّبِيِّ , وَالْمَجْنُونِ , وَيَسْتَوِي إنْ كَانَ الْإِكْرَاهُ بِحَبْسٍ , أَوْ قَتْلٍ . وَحُجَّتُهُ فِي ذَلِكَ قوله تعالى { لَا إكْرَاهَ فِي الدِّينِ } , وَالْمُرَادُ نَفْيُ الْحُكْمِ لِمَا يُكْرَهُ عَلَيْهِ الْمَرْءُ فِي الدِّينِ قَالَ: عليه الصلاة والسلام { رُفِعَ عَنْ أُمَّتِي الْخَطَأُ , وَالنِّسْيَانُ , وَمَا اُسْتُكْرِهُوا عَلَيْهِ } , فَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ مَا يُكْرَهُ عَلَيْهِ يَكُونُ مَرْفُوعًا عَنْهُ حُكْمُهُ , وَإِثْمُهُ , وَعَيْنُهُ إلَّا بِدَلِيلٍ , وَالْمَعْنَى فِيهِ أَنَّ هَذَا قَوْلٌ مُوجِبٌ لِلْحُرْمَةِ , فَالْإِكْرَاهُ الْبَاطِلُ عَلَيْهِ يَمْنَعُ حُصُولَ الْفُرْقَةِ كَالرِّدَّةِ , وَتَأْثِيرُهُ أَنَّ انْعِقَادَ التَّصَرُّفَاتِ شَرْعًا بِكَلَامٍ يَصْدُرُ عَنْ قَصْدٍ , وَاخْتِيَارٍ مُعْتَبَرٌ شَرْعًا , وَلِهَذَا لَا يَنْعَقِدُ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ بِكَلَامِ الصَّبِيِّ , وَالْمَجْنُونِ , وَالنَّائِمِ , وَلَيْسَ لِلْمُكْرَهِ اخْتِيَارٌ صَحِيحٌ مُعْتَبَرٌ شَرْعًا فِيمَا تَكَلَّمَ بِهِ بَلْ هُوَ مُكْرَهٌ عَلَيْهِ , وَالْإِكْرَاهُ يُضَادُّ الِاخْتِيَارَ , فَوَجَبَ اعْتِبَارُ هَذَا الْإِكْرَاهِ فِي انْعِدَامِ اخْتِيَارِهِ بِهِ لِكَوْنِهِ إكْرَاهًا بِالْبَاطِلِ , وَلِكَوْنِهِ مَعْذُورًا فِي ذَلِكَ , فَإِذَا لَمْ يَبْقَ لَهُ قَصْدٌ مُعْتَبَرٌ شَرْعًا الْتَحَقَ بِالْمَجْنُونِ بِخِلَافِ الْعِنِّينِ إذَا أَكْرَهَهُ الْقَاضِي عَلَى الْفُرْقَةِ بَعْدَ مُضِيِّ الْمُدَّةِ أَوْ الْمَوْلَى بَعْدَهَا ; لِأَنَّ ذَلِكَ إكْرَاهٌ بِحَقٍّ لِانْعِدَامِ اخْتِيَارِهِ شَرْعًا . ( أَلَا تَرَى ) أَنَّ الْمَدْيُونَ إذَا أَكْرَهَهُ الْقَاضِي عَلَى بَيْعِ مَالِهِ نَفَذَ بَيْعُهُ , وَالذِّمِّيُّ إذَا أَسْلَمَ عَبْدُهُ , فَأُجْبِرَ عَلَى بَيْعِهِ نَفَذَ بَيْعُهُ بِخِلَافِ مَا إذَا أَكْرَهَهُ عَلَى الْبَيْعِ بِغَيْرِ حَقٍّ قَالَ: وَعَلَى هَذَا قُلْت , وَإِذَا أُكْرِهَ الْحَرْبِيُّ عَلَى الْإِسْلَامِ صَحَّ إسْلَامُهُ , وَلَوْ أُكْرِهَ الْمُسْتَأْمَنُ , أَوْ الذِّمِّيُّ عَلَى الْإِسْلَامِ لَا يَصِحُّ إسْلَامُهُ ; لِأَنَّهُ إكْرَاهٌ بِالْبَاطِلِ , وَلَا يَدْخُلُ فِيهِ السَّكْرَانُ , فَإِنَّهُ غَيْرُ مَعْذُورٍ شَرْعًا , فَهُوَ فِي الْمَعْنَى كَالْمُكْرَهِ بِحَقٍّ , فَيَكُونُ قَصْدُهُ , وَاخْتِيَارُهُ مُعْتَبَرًا شَرْعًا , وَلِهَذَا نَفَذَ مِنْهُ جَمِيعُ التَّصَرُّفَاتِ , وَلِهَذَا صَحَّ إقْرَارُهُ بِالطَّلَاقِ هُنَاكَ , وَلَا يَصِحُّ هُنَا إقْرَارُهُ بِالطَّلَاقِ بِالِاتِّفَاقِ , فَكَذَلِكَ إنْشَاؤُهُ , وَهَذَا بِخِلَافِ الْهَازِلِ ; لِأَنَّهُ قَاصِدٌ إلَى التَّكَلُّمِ بِالطَّلَاقِ مُخْتَارٌ لَهُ , فَإِنَّ بَابَ الْهَزْلِ وَاسِعٌ , فَلَمَّا اخْتَارَ عِنْدَ الْهَزْلِ التَّكَلُّمَ بِالطَّلَاقِ مِنْ بَيْنِ سَائِرِ الْكَلِمَاتِ عَرَفْنَا أَنَّهُ مُخْتَارٌ لِلَّفْظِ , وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مُرِيدًا لِحُكْمِهِ , فَأَمَّا الْمُكْرَهُ , فَغَيْرُ مُخْتَارٍ فِي التَّكَلُّمِ بِالطَّلَاقِ هُنَا ; لِأَنَّهُ لَا يَحْصُلُ لَهُ النَّجَاةُ إذَا تَكَلَّمَ بِشَيْءٍ آخَرَ , وَهَذَا بِخِلَافِ مَا إذَا أُكْرِهَ عَلَى أَنْ يُجَامِعَ امْرَأَةً , وَهِيَ أُمُّ امْرَأَتِهِ , فَإِنَّهَا تَحْرُمُ عَلَيْهِ ; لِأَنَّا ادَّعَيْنَا هَذَا فِي الْأَقْوَالِ الَّتِي يَكُونُ ثُبُوتُهَا شَرْعًا بِنَاءً عَلَى اخْتِيَارٍ صَحِيحٍ , فَأَمَّا الْأَفْعَالُ فَتَحَقُّقُهَا بِوُجُودِهَا حِسًّا . ( أَلَا تَرَى ) أَنَّهُ إذَا تَحَقَّقَ ذَلِكَ مِنْ الْمَجْنُونِ كَانَ مُوجِبًا لِلْفُرْقَةِ أَيْضًا , فَكَذَلِكَ مِنْ الْمُكْرَهِ بِخِلَافِ مَا نَحْنُ فِيهِ ; وَلِأَنَّ سَبَبَ الْإِكْرَاهِ مُحَافَظَةُ قَدْرِ الْمِلْكِ عَلَى الْمُكْرَهِ حَتَّى قُلْتُمْ فِي الْإِكْرَاهِ عَلَى الْعِتْقِ: الْمُكْرِهُ يَضْمَنُ الْقِيمَةَ لِلْمُكْرَهِ , وَكَمَا تَجِبُ مُحَافَظَةُ قَدْرِ مِلْكِهِ عَلَيْهِ تَجِبُ مُحَافَظَةُ عَيْنِ مِلْكِهِ عَلَيْهِ , وَلَا طَرِيقَ لِذَلِكَ سِوَى أَنْ يُجْعَلُ الْفِعْلُ عَدَمًا فِي جَانِبِ الْمُكْرَهِ , وَيُجْعَلُ هُوَ آلَةً لِلْمُكْرِهِ , وَإِذَا صَارَ آلَةً لَهُ امْتَنَعَ وُقُوعُ الطَّلَاقِ , وَالْعَتَاقِ , وَلَا مَعْنَى لِقَوْلِكُمْ: إنَّهُ فِي التَّكَلُّمِ لَا يَصْلُحُ آلَةً , فَإِنَّكُمْ جَعَلْتُمُوهُ آلَةً حَيْثُ أَوْجَبْتُمْ ضَمَانَ الْقِيمَةِ عَلَى الْمُكْرَهِ فِي الْعَتَاقِ , وَضَمَانُ نِصْفِ الصَّدَاقِ عَلَى الْمُكْرَهِ فِي الطَّلَاقِ قَبْلَ الدُّخُولِ , ثُمَّ إنْ لَمْ يُمْكِنْ أَنْ يُجْعَلَ آلَةً حَتَّى يَصِيرَ الْفِعْلُ مَوْجُودًا مِنْ الْمُكْرَهِ يُجْعَلُ آلَةً حَتَّى يَنْعَدِمَ الْفِعْلُ فِي جَانِبِ الْمُكْرَهِ , فَيَلْغُو طَلَاقُهُ , وَعَتَاقُهُ . وَحُجَّتُنَا فِي ذَلِكَ مَا رَوَيْنَا مِنْ