فهرس الكتاب

الصفحة 90 من 1037

الْآثَارِ فِي أَوَّلِ الْكِتَابِ , وَالْمَعْنَى فِيهِ أَنَّهُ تَصَرُّفٌ مِنْ أَهْلِهِ فِي مَحَلِّهِ , فَلَا يُلْغَى كَمَا لَوْ كَانَ طَائِعًا , وَبَيَانُهُ أَنَّ هَذَا التَّصَرُّفَ كَلَامٌ , وَالْأَهْلِيَّةُ لِلْكَلَامِ يَكُونُ مُمَيِّزًا , وَمُخَاطَبًا , وَبِالْإِكْرَاهِ لَا يَنْعَدِمُ ذَلِكَ , وَقَدْ بَيَّنَّا أَنَّهُ مُخَاطَبٌ فِي غَيْرِ مَا أُكْرِهَ عَلَيْهِ , وَكَذَلِكَ فِيمَا أُكْرِهَ عَلَيْهِ حَتَّى يُنَوَّعُ عَلَيْهِ الْأَمْرُ كَمَا قَرَّرْنَا , وَهَذَا ; لِأَنَّ الْخِطَابَ يَنْبَنِي عَلَى اعْتِدَالِ الْحَالِ , وَذَلِكَ لَا يَخْتَلِفُ فِيهِ أَحْوَالُ النَّاسِ , فَأَقَامَ الشَّرْعُ الْبُلُوغَ عَنْ عَقْلٍ مَقَامَ اعْتِدَالِ الْحَالِ فِي تَوَجُّهِ الْخِطَابِ , وَاعْتِبَارُ كَلَامِهِ شَرْعًا تَيْسِيرًا لِلْأَمْرِ عَلَى النَّاسِ , وَبِسَبَبِ الْإِكْرَاهِ لَا يَنْعَدِمُ هَذَا الْمَعْنَى , وَالسَّبَبُ الظَّاهِرُ مَتَى قَامَ مَقَامَ الْمَعْنَى الْخَفِيِّ دَارَ الْحُكْمُ مَعَهُ وُجُودًا , وَعَدَمًا , وَبَيَانُ الْمَحَلِّيَّةِ أَنَّهُ مَلَكَهُ , وَلَوْ لَمْ يَكُنْ مُكْرَهًا لَكَانَ تَصَرُّفُهُ مُصَادِفًا مَحَلَّهُ , وَلَيْسَ لِلطَّوَاعِيَةِ تَأْثِيرٌ فِي جَعْلِ مَا لَيْسَ بِمَحَلٍّ مَحَلًّا , فَعَرَفْنَا أَنَّ التَّصَرُّفَ صَادَفَ مَحَلَّهُ إلَّا أَنَّ بِسَبَبِ الْإِكْرَاهِ يَنْعَدِمُ الرِّضَا مِنْهُ بِحُكْمِ السَّبَبِ , وَلَا يَنْعَدِمُ أَصْلُ الْقَصْدِ , وَالِاخْتِيَارِ ; لِأَنَّ الْمُكْرَهَ عَرَفَ الشَّرَّيْنِ , فَاخْتَارَ أَهْوَنَهُمَا , وَهَذَا دَلِيلُ حُسْنِ اخْتِيَارِهِ , فَكَيْفَ يَكُونُ مُفْسِدًا لِاخْتِيَارِهِ , وَهُوَ قَاصِدٌ إلَيْهِ أَيْضًا ; لِأَنَّهُ قَصَدَ دَفْعَ الشَّرِّ عَنْ نَفْسِهِ , وَلَا يَتَوَصَّلُ إلَيْهِ إلَّا بِإِيقَاعِ الطَّلَاقِ . وَمَا لَا يُتَوَصَّلُ إلَى الْمَقْصُودِ إلَّا بِهِ يَكُونُ مَقْصُودًا , فَعَرَفْنَا أَنَّهُ قَاصِدٌ مُخْتَارٌ , وَلَكِنْ لَا لِعَيْنِهِ بَلْ لِدَفْعِ الشَّرِّ عَنْهُ , فَيَكُونُ بِمَنْزِلَةِ الْهَازِلِ مِنْ حَيْثُ إنَّهُ قَاصِدٌ إلَى التَّكَلُّمِ مُخْتَارٌ لَهُ لَا لِحُكْمِهِ بَلْ لِغَيْرِهِ , وَهُوَ الْهَزْلُ , ثُمَّ طَلَاقُ الْهَازِلِ وَاقِعٌ , فَبِهِ يَتَبَيَّنُ أَنَّ الرِّضَا بِالْحُكْمِ بَعْدَ الْقَصْدِ إلَى السَّبَبِ , وَالِاخْتِيَارِ لَهُ غَيْرُ مُعْتَبَرٍ , وَقَدْ بَيَّنَّا أَنَّ حَالَ الْمُكْرَهِ فِي اعْتِبَارِ كَلَامِهِ , فَوْقَ حَالِ الْهَازِلِ ; لِأَنَّ الْحُكْمَ لِلْجِدِّ مِنْ الْكَلَامِ , وَالْهَزْلُ ضِدُّ الْجِدِّ , وَالْمُكْرَهُ يَتَكَلَّمُ بِالْجِدِّ ; لِأَنَّهُ يُجِيبُ إلَى مَا دُعِيَ إلَيْهِ , وَلَكِنَّهُ غَيْرُ رَاضٍ بِحُكْمِهِ , وَهَذَا بِخِلَافِ الرِّدَّةِ , فَإِنَّهَا تَنْبَنِي عَلَى الِاعْتِقَادِ , وَهُوَ التَّكَلُّمُ بِخَبَرٍ عَنْ اعْتِقَادِهِ , وَقِيَامُ السَّيْفِ عَلَى رَأْسِهِ دَلِيلٌ ظَاهِرٌ عَلَى أَنَّهُ غَيْرُ مُعْتَقِدٍ , وَأَنَّهُ فِي إخْبَارِهِ كَاذِبٌ , وَكَذَلِكَ الْإِقْرَارُ بِالطَّلَاقِ , وَالْإِقْرَارُ مُتَمَيِّلٌ بَيْنَ الصِّدْقِ , وَالْكَذِبِ , وَإِنَّمَا يَصِحُّ مِنْ الطَّائِعِ لِتَرَجُّحِ جَانِبِ الصِّدْقِ , فَإِنَّ دِينَهُ , وَعَقْلَهُ يَدْعُوَانِهِ إلَى ذَلِكَ . , وَفِي حَقِّ الْمُكْرَهِ قِيَامُ السَّيْفِ عَلَى رَأْسِهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ كَذِبٌ , وَالْمُخْبَرُ عَنْهُ إذَا كَانَ كَاذِبًا , فَالْإِخْبَارُ بِهِ لَا يَصِيرُ صِدْقًا , فَإِنْ أَقَرَّ بِهِ الْمُقِرُّ بِاخْتِيَارِهِ لَا يَصِيرُ كَائِنًا حَقِيقَةً , وَهَذَا بِخِلَافِ مَا إذَا هَزَلَ بِالرِّدَّةِ ; لِأَنَّ هُنَاكَ إنَّمَا يُحْكَمُ بِكُفْرِهِ لِاسْتِخْفَافِهِ بِالدِّينِ , فَإِنَّ الْهَازِلَ مُسْتَخِفٌّ لَا مَحَالَةَ إذْ الِاسْتِخْفَافُ بِالدِّينِ كُفْرٌ , فَأَمَّا الْمُكْرَهُ , فَغَيْرُ مُسْتَخِفٍّ , وَلَا مُعْتَقِدٍ لِمَا يُخْبِرُ بِهِ مُكْرَهًا , ثُمَّ إنْ وَجَبَ مُحَافَظَةُ قَدْرِ الْمِلْكِ عَلَى الْمُكْرَهِ , فَذَلِكَ لَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ يَجِبُ مُحَافَظَةُ عَيْنِ الْمِلْكِ عَلَيْهِ كَمَا لَوْ أَعْتَقَ أَحَدُ الشَّرِيكَيْنِ نَصِيبَهُ مِنْ الْعَبْدِ , وَهُوَ مُوسِرٌ , فَإِنَّهُ يَجِبُ مُحَافَظَةُ قَدْرِ الْمِلْكِ عَلَى السَّاكِتِ بِإِيجَابِ الضَّمَانِ لَهُ عَلَى الْعِتْقِ , وَلَا يَجِبُ مُحَافَظَةُ عَيْنِ مِلْكِهِ بِإِبْطَالِ عِتْقِ الْمُعْتِقِ , وَهَذَا ; لِأَنَّهُ مُكْرَهٌ عَلَى شَيْئَيْنِ: التَّكَلُّمُ بِالْعَتَاقِ , وَالْإِتْلَافُ , وَهُوَ فِي التَّكَلُّمِ لَا يَصْلُحُ آلَةً لَلْمُكْرِهِ ; لِأَنَّ تَكَلُّمَهُ بِلِسَانِ الْغَيْرِ لَا يَتَحَقَّقُ , وَفِي الْإِتْلَافِ يَصْلُحُ آلَةً لَهُ , فَجَعَلْنَا الْإِتْلَافَ مُضَافًا إلَى الْمُكْرِهِ , فَأَوْجَبْنَا الضَّمَانَ عَلَيْهِ , وَجَعَلْنَا التَّكَلُّمَ بِالطَّلَاقِ , وَالْعَتَاقِ مَقْصُورًا عَلَى الْمُكْرَهِ , فَحَكَمْنَا بِنُفُوذِ قَوْلِهِ بِأَنَّ الْمُكْرَهَ يَنْبَغِي أَنْ يُجْعَلَ آلَةً حَتَّى يَنْعَدِمَ التَّكَلُّمُ فِي جَانِبِهِ حُكْمًا . قُلْنَا هَذَا شَيْءٌ لَا يُمْكِنُ تَحْقِيقُهُ هُنَا , فَإِنَّ الْخِلَافَ فِي الْإِكْرَاهِ بِالْقَتْلِ , وَالْإِكْرَاهِ بِالْحَبْسِ سَوَاءٌ , وَعِنْدَ الْإِكْرَاهِ بِالْحَبْسِ لَا يَنْعَدِمُ الْفِعْلُ فِي جَانِبِ الْمُكْرَهِ بِحَالٍ , ثُمَّ نَقُولُ لَيْسَ لِلْإِكْرَاهِ تَأْثِيرٌ فِي

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت