فهرس الكتاب

الصفحة 93 من 1037

; وَذَلِكَ لِأَنَّهَا كَانَتْ فِي صَدْرِ الْإِسْلَامِ مَنْقُولَةً وَهِيَ الْيَوْمَ مَكْتُوبَةٌ ; إذْ كَانَ فِي عَصْرِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم لَا يُكْتَبُ إلَّا الْقُرْآنُ . وَقَدْ اُخْتُلِفَ فِي السُّنَّةِ عَلَى مَا بَيَّنَّاهُ فِي أُصُولِ الْفِقْهِ وَغَيْرِهَا , وَكَانَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم لَا يُكَتِّبُ أَصْحَابَهُ وَلَا يَجْمَعُهُمْ لَهُ دِيوَانٌ حَافِظٌ , اللَّهُمَّ إلَّا أَنَّهُ قَالَ يَوْمًا: { اُكْتُبُوا لِي مَنْ يَلْفِظُ بِالْإِسْلَامِ لِأَمْرٍ عَرَضَ لَهُ } . فَأَمَّا الْيَوْمَ فَيُكْتَبُ إسْلَامُ الْكَفَرَةِ , كَمَا يُكْتَبُ سَائِرُ مَعَالِمِ الدِّينِ الْمُهِمَّةِ وَالتَّوَابِعِ مِنْهَا لِضَرُورَةِ حِفْظِهَا حِينَ فَسَدَ النَّاسُ وَخَفَّتْ أَمَانَتُهُمْ , وَمَرَجَ أَمْرُهُمْ , وَنُسْخَةُ مَا يُكْتَبُ: بسم الله الرحمن الرحيم: لِلَّهِ أَسْلَمَ فُلَانُ بْنُ فُلَانٍ مِنْ أَهْلِ أَرْضِ كَذَا , وَآمَنَ بِهِ وَبِرَسُولِهِ مُحَمَّدٍ صلى الله عليه وسلم وَشَهِدَ لَهُ بِشَهَادَةِ الصِّدْقِ , وَأَقَرَّ بِدَعْوَةِ الْحَقِّ: لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ . وَالْتَزَمَ الصَّلَوَاتِ الْخَمْسَ بِأَرْكَانِهَا وَأَوْصَافِهَا , وَأَدَّى الزَّكَاةَ بِشُرُوطِهَا , وَصَوْمَ رَمَضَانَ , وَالْحَجَّ إلَى الْبَيْتِ الْحَرَامِ , إذَا اسْتَطَاعَ إلَيْهِ سَبِيلًا , وَيَغْتَسِلُ مِنْ الْجَنَابَةِ , وَيَتَوَضَّأُ مِنْ الْحَدَثِ , وَخَلَعَ الْأَنْدَادَ مِنْ دُونِ اللَّهِ , وَتَحَقَّقَ أَنَّ اللَّهَ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ . وَإِنْ كَانَ نَصْرَانِيًّا قُلْت: وَإِنَّ عِيسَى عَبْدُ اللَّهِ وَرَسُولُهُ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ . وَإِنْ كَانَ يَهُودِيًّا قُلْت: وَإِنَّ الْعُزَيْرَ عَبْدُ اللَّهِ وَإِنْ كَانَ صَابِئًا قُلْت: وَإِنَّ الْمَلَائِكَةَ عَبِيدُ اللَّهِ وَرُسُلُهُ الْكِرَامُ وَكُتَّابُهُ الْبَرَرَةُ الَّذِينَ لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ . وَإِنْ كَانَ هِنْدِيًّا قُلْت: [ وَإِنَّ ] مَانِي بَاطِلٌ مَحْضٌ , وَبُهْتَانٌ صِرْفٌ , وَكَذِبٌ مُخْتَلَقٌ مُزَوَّرٌ . وَكَذَلِكَ مَنْ كَانَ عَلَى مَذْهَبٍ مِنْ الْكُفْرِ اعْتَمَدْته بِالْبَرَاءَةِ مِنْهُ بِالذِّكْرِ . وَتَقُولُ بَعْدَهُ: سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يَقُولُ الظَّالِمُونَ عُلُوًّا كَبِيرًا , { إنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ إلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا لَقَدْ أَحْصَاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدًّا } { لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا } . تَعَالَى وَتَقَدَّسَ عَنْ ذَلِكَ كُلِّهِ , وَالْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا , وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ , وَلَمْ يَكُنْ لَهُ وَلِيٌّ مِنْ الذُّلِّ وَكَبَّرَهُ تَكْبِيرًا . وَالْتَزَمَ أَلَّا يَقْتُلَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إلَّا بِالْحَقِّ , وَلَا يَسْرِقُ , وَلَا يَزْنِي , وَلَا يَشْرَبُ الْخَمْرَ , وَلَا يَتَكَلَّمُ بِالزُّورِ , وَيَكُونُ مَعَ إخْوَانِهِ الْمُؤْمِنِينَ كَأَحَدِهِمْ , وَلَا يُسْلِمُهُمْ وَلَا يُسْلِمُونَهُ , وَلَا يَظْلِمُهُمْ وَلَا يَظْلِمُونَهُ , وَعَلِمَ أَنَّ لِلدِّينِ فَرَائِضَ وَشَرَائِعَ وَسُنَنًا , فَعَاهَدَ اللَّهَ عَلَى أَنْ يَلْتَزِمَ كُلَّ خَصْلَةٍ مِنْهَا عَلَى نَعْتِهَا بِقَلْبٍ سَلِيمٍ وَسَنَنٍ قَوِيمٍ وَاَللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إلَى مَا شَاءَ إلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ وَشَهِدَ أَنَّهُ { مَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنْ الْخَاسِرِينَ } شَهِدَ عَلَى فُلَانِ بْنِ فُلَانٍ مَنْ أَشْهَدَ عَلَيْهِ , وَهُوَ صَحِيحُ الْعَقْلِ فِي شَهْرِ كَذَا . وَقَدْ أَدْرَكَ التَّقْصِيرَ جُمْلَةٌ مِنْ الْمُؤَرِّخِينَ , وَكَتَبُوا مَعَالِمَ الْأَمْرِ دُونَ وَظَائِفِ النَّهْيِ , وَالنَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم كَانَ يَذْكُرُ فِي بَيْعَتِهِ الْوَجْهَيْنِ , أَوْ يُغَلِّبُ ذِكْرَ وَظَائِفِ النَّهْيِ , كَمَا جَاءَ فِي الْقُرْآنِ . وَكَتَبُوا أَنَّهُ أَسْلَمَ طَوْعًا , وَكَتَبُوا: وَكَانَ إسْلَامُهُ عَلَى يَدَيْ فُلَانٍ , وَكَتَبُوا أَنَّهُ اغْتَسَلَ وَصَلَّى . فَأَمَّا قَوْلُهُمْ: وَكَانَ إسْلَامُهُ طَوْعًا فَبَاطِلٌ , فَإِنَّهُ لَوْ أَسْلَمَ مُكْرَهًا لَصَحَّ إسْلَامُهُ وَلَزِمَهُ , وَقُتِلَ بِالرِّدَّةِ . وَقَدْ بَيَّنَّا ذَلِكَ فِي قَوْلِهِ: { لَا إكْرَاهَ فِي الدِّينِ } ; وَالْكُفَّارُ إنَّمَا يُقَاتَلُونَ قَسْرًا عَلَى الْإِسْلَامِ فَيُسْتَخْرَجُ مِنْهُمْ بِالسَّيْفِ . وَالْإِمَامُ مُخَيَّرٌ بَيْنَ قَتْلِ الْأَسْرَى أَوْ مُفَادَاتِهِمْ بِالْخَمْسَةِ الْأَوْجُهِ الْمُتَقَدِّمَةِ فِيهِمْ ; فَإِذَا أَسْلَمَ سَقَطَ حُكْمُ السَّيْفِ عَنْهُ . وَفِي الصَّحِيحِ: { عَجِبَ رَبُّكُمْ مِنْ قَوْمٍ يُقَادُونَ إلَى الْجَنَّةِ بِالسَّلَاسِلِ } . وَكَذَلِكَ الذِّمِّيُّ لَوْ جَنَى جِنَايَةً فَخَافَ مِنْ مُوجَبِهَا الْقَتْلَ وَالضَّرْبَ فَأَسْلَمَ سَقَطَ عَنْهُ الضَّرْبُ وَالْقَتْلُ , وَكَانَ إسْلَامُهُ كُرْهًا , وَحُكِمَ بِصِحَّتِهِ , وَإِنَّمَا يَكُونُ الْإِكْرَاهُ الْمُسْقِطُ لِلْإِسْلَامِ إذَا كَانَ ظُلْمًا وَبَاطِلًا , مِثْلُ أَنْ يُقَالَ لِلذِّمِّيِّ [ ابْتِدَاءً ] مِنْ غَيْرِ جِنَايَةٍ وَلَا سَبَبٍ: أَسْلِمْ , وَإِلَّا

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت