أما جنس الفروع فقد تنوعت بها الشرائع ، فقد يباح في شريعة من المسائل الفرعية ما يحرم في الشريعة الأخرى ، وقد يحرم في شريعة سابقة ما يباح في شريعة لاحقة ، ومن هذا أن الله جل وعلا بعث عيسى عليه الصلاة والسلام بشريعة التوراة مع التخفيف والتيسير لبعض ما فيها ، وإخبارهم ببعض ما اختلفوا فيه ، وإحلال بعض ما حرم عليهم في التوراة ، كل هذا من لطفه وتيسره جل وعلا ، كما قال سبحانه وتعالى لما ذكر التوراة والإنجيل والقرآن قال بعد هذا كله: لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا وهو سبحانه حكيم في شرعه عليم بما يصلح عباده وما يستطيعون ، كما أنه حكيم في أقداره سبحانه وتعالى ، قال جل وعلا: إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ وَكَانُوا عَلَيْهِ شُهَدَاءَ فَلا تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ وَلا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ * وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالْأَنْفَ بِالْأَنْفِ وَالْأُذُنَ بِالْأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ هذا كله في شريعة التوراة ، وقد أقره الله لهذه الأمة وبينه لهم مقرا له ومشرعا في هذه الأمة ، وجاءت السنة تؤيد ذلك وتبين أن هذا شرع الله لهذه الأمة في النفس والعين والأنف والأذن والسن ، كما هو في شريعة الله المعلومة من كتابه سبحانه ، ومن سنة رسوله عليه أفضل الصلاة والسلام ، ثم قال بعد ذلك: وَقَفَّيْنَا عَلَى آثَارِهِمْ بِعِيسَى
ابْنِ مَرْيَمَ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ وَآتَيْنَاهُ الْإِنْجِيلَ فِيهِ هُدًى وَنُورٌ وَمُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ فدل ذلك على أن هذا الكتاب العظيم وهو الإنجيل ، فيه هدى ونور وفيه مواعظ وتوجيهات ،
ثم قال بعد ذلك: وَلْيَحْكُمْ أَهْلُ الْإِنْجِيلِ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فِيهِ فدل على أن فيه أحكاما يحكم بها أهل الإنجيل من علماء بني إسرائيل ومعلوم أن عيسى عليه الصلاة والسلام أرسل بشريعة التوراة ، ومع ذلك أرسل بأشياء غير ما في التوراة . . وفي شريعته أيضا تخفيف وتيسير لبعض ما في التوراة ، ثم قال بعد هذا: وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ ثم قال عز وجل وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ عَمَّا جَاءَكَ مِنَ الْحَقِّ لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا هكذا قال لنبيه محمد عليه الصلاة والسلام ، وأنزل كتابه القرآن بالحق؛ لأن الله أنزله بالحق وللحق ، فهو جاء مشتملا على الحق ومؤيدا للحق ، وشارعا للحق ومصدقا لما بين يديه من الكتب الماضية ، والرسل الماضين فيما جاؤوا به . فكتاب الله العظيم القرآن مصدق للرسل الماضين ، ومصدق للكتب الماضية ، وشاهد أنها من عند الله عز وجل: التوراة والإنجيل والزبور وصحف موسى وإبراهيم وغيرها من الكتب التي أنزلها الله على الرسل عليهم الصلاة والسلام ، ثم بين الله جل وعلا أن لكل منهم شرعة ومنهاجا ، فدل ذلك على أن الشرائع التي جاء بها الأنبياء والرسل متنوعة كما بين الأسس من الإيمان بالله ورسله والملائكة والكتب والإيمان باليوم الآخر ، والإيمان بالجنة والنار ، والقدر وغير
هذا من الأحكام العامة التي توجب العدل والصدق ، وتحريم الظلم والكذب ونحو ذلك فهذه أصول عامة متبعة .
وكان من حكمته عز وجل أن أرسل كل رسول بلسان قومه ، حتى يفقههم ويفهمهم ما بعث به إليهم بصورة واضحة ، وبيان واضح؛ ولهذا قال عز وجل: وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ الآية .
ولما كان محمد صلى الله عليه وسلم من العرب ، وكان العرب هم أول الناس يستمعون دعوته ، ويواجههم بدعوته ، أرسله الله بلسانهم ، وإن كان رسولا للجميع عليه الصلاة والسلام ، ولكن الله أرسله بلسان قومه ، وجعل قومه مبلغين ودعاة إلى من وراءهم من الأمم ، وأمر الناس جميعا باتباع هذا النبي عليه الصلاة والسلام والسير على منهاجه ، فوجب عليهم أن يتبعوه ، وأن يعرفوا لغته ولغة كتاب الله العظيم ، وهذا النبي العظيم هو محمد عليه الصلاة والسلام بعثه الله رحمة للعالمين جميعا ، كما قال تعالى: وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ فكما أرسل الرسل قبله رحمة لمن أرسلوا إليه ليوجهوهم وليزيلوا عنهم الظلم ، والفساد وأحكام الطواغيت ، وليحلوا مكان ذلك النظم الصالحة والأحكام العادلة ، وهكذا أرسل الله محمدا صلى الله عليه وسلم أيضا ، ليقضي على النظم الفاسدة في المجتمع الإنساني ، والأخلاق المنحرفة ، والظلم والجور ، وليحل محلها نظما صالحة ، وأحكاما عادلة ، فبعثه صلى الله وسلم ربه ليزيل ما في الأرض من الظلم والطغيان ، وليقضي على الفساد ، وليزيح النظم الفاسدة والطواغيت المستبدة ، الذين يتحكمون في الناس بالباطل ، ويظلمونهم ويتعدون على حقوقهم ، ويستعبدونهم .