فهرس الكتاب

الصفحة 978 من 1037

فبعث الله هذا النبي عليه الصلاة والسلام ، ليزيل هذه النظم الفاسدة ، والأخلاق الظالمة ، وليقضي على الطغاة المتجبرين ، والقادة المفسدين ، وليحل محل ذلك قادة مصلحين ، ونظما عادلة مستقيمة ، وشرائع حكيمة عادلة ، توقف الناس عند حدهم ، ولا تفرق بين أبيض وأسود ، ولا بين أحمر وغيره ، ولا بين غني وفقير ، ولا بين شريف عند الناس ، ووضيع عندهم ، بل جعل شريعته لا تفرق بين الناس ، بل توجههم جميعا وتأمرهم وتنهاهم جميعا ، وبين الله سبحانه وتعالى أن أكرم الناس عند الله هو أتقاهم ، كما قال جل وعلا: يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا ولم يقل لتتفاخروا ، أو ليترفع بعضكم على بعض ، أو يستعبد بعضكم بعضا ، أو يفخر بعضكم على بعض ، ولكن قال:"لتعارفوا"ثم قال سبحانه: إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ وقال النبي صلى الله عليه وسلم إن الله أوحى إلي أن تواضعوا حتى لا يفخر أحد على أحد ولا يبغي أحد على أحد خرجه مسلم في صحيحه .

وقال الله جل وعلا في القرآن الكريم: إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ فهذا النبي العظيم عليه الصلاة والسلام أرسله الله برسالة عامة ونظام شامل عام في جميع الشئون العبادية والسياسية ، والاقتصادية والاجتماعية ، والحربية وغير ذلك من شئون الناس ، فما ترك شيئا إلا وأرشد إلى حكم الله فيه ، وقال فيه عز وجل وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وقال عز وجل يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا * وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُنِيرًا فبين الله سبحانه وتعالى أن هذا الرسول سراج منير للناس ينير لهم الطريق ويهديهم السبيل إلى ربهم سبحانه ، - عليه الصلاة والسلام- الذي من استقام على دينه نجا وفاز بالخير والعاقبة الحميدة ومن حاد عنه باء بالخيبة والخسارة والذل والهوان ، وقال عز وجل: قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ * يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ

هكذا قال جل وعلا في هذا النبي العظيم وكتابه المبين .

إن هذا الكتاب وهذا الرسول يخرج الله بهما الناس من الظلمات إلى النور من ظلمات الكفر والجهل والظلم والاستبداد والاستعباد إلى نور التوحيد والإيمان ، إلى نور الهدى والعدل ، إلى سعة الإسلام ، بدلا من جور الملوك والطغاة ، وبدلا من أحكامهم الظالمة الجائرة ، فشريعة الله التي بعث بها نبيه محمدا - صلى الله عليه وسلم- شريعة كاملة ، شريعة فيها الهدى والنور ، وفيها العدل والحكمة ، وفيها إنصاف المظلوم من الظالم ، وتوجيه الناس إلى أسباب السعادة ، وإلزامهم بالحق والعدل ، ومنعهم من الظلم والجور ، وربطهم بالأخوة الإيمانية ، وأمرهم بالتعاون على البر والتقوى ، والتواصي بالحق والصبر عليه ، والتآخي والنصح من بعضهم لبعض ، وفيها تخليصهم من الظلم والجور والبغي والكذب وسائر أنواع الفساد حتى يكونوا جميعا إخوة متحابين في الله متعاونين على البر والتقوى ، ينصح كل واحد الآخر ، ويؤدي الأمانة ولا يغش أخاه ولا يخونه ، ولا يكذبه ، ولا يحقره ، ولا يغتابه ولا ينم عليه ، بل يحب له كل خير ويكره له كل شر ، كما قال جل وعلا: إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وقال عليه الصلاة والسلام: لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه وفي الصحيحين عن جرير بن عبد الله البجلي رضي الله عنه قال: بايعت النبي صلى الله عليه وسلم على إقام الصلاة وإيتاء الزكاة والنصح لكل مسلم

وقال أيضا عليه الصلاة والسلام: الدين النصيحة قيل: لمن يا رسول الله؟ قال: لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم خرجه مسلم في صحيحه . وقال سبحانه في كتابه العزيز في عموم الرسالة قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لا إِلَهَ إِلا هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ

وأخبر سبحانه وتعالى أن هذا الرسول يزكيهم من أخلاقهم الذميمة وأعمالهم المنكرة إلى أخلاق صالحة ، وإلى أعمال مستقيمة قال جل وعلا: لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ وقال جل وعلا: لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ إلى غير ذلك من الآيات الدالات على نصحه عليه الصلاة والسلام ، وأن الله بعثه ليعلم الناس ويرشد الناس ويزكي الناس ويخرج الناس من الظلمات إلى النور؛ من ظلمات جهلهم وكفرهم وأخلاقهم الذميمة ، إلى نور الإيمان والتوحيد وإلى سعادة الأخلاق الكريمة ، والعدل والصلاح والإصلاح ،

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت