فهرس الكتاب

الصفحة 979 من 1037

ولما كانت الأرض قبل بعثته عليه الصلاة والسلام مملوءة من الظلم والجهل والكفر ، وكان الشرك قد عم الناس وعم البلاد وانتشر فيها الفساد إلا ما شاء الله من بقايا يسيرة من أهل الكتاب ماتوا أو معظمهم قبل بعثته عليه الصلاة والسلام ، لما كان الأمر هكذا رحم الله أهل الأرض ولطف بهم سبحانه وبعث فيهم هذا الرسول العظيم محمدا عليه الصلاة والسلام وهم في أشد الحاجة بل الضرورة إلى بعثته وإرساله ، فبعثه الله بأشرف كتاب وأشرف رسالة وأعمها فأنقذ الله به الأمة . وأخرج الله به أهل الأرض من الظلمات إلى النور ، أخرجهم الله به من الضلالة إلى الهدى ، أخرجهم الله به من الجور والظلم والعسف إلى العدل والإنصاف والحرية الكاملة المقيدة بقيود الشريعة ، وأمره سبحانه وتعالى حينما بعثه بالدعوة إلى الله عز وجل والإرشاد إليه ، وإقامة الحجج على ما بعثه الله به من الدين الحق والصراط المستقيم ، فلم يزل هكذا يدعو إلى الله ويرشد في مكة عليه الصلاة والسلام ، وهكذا من أسلم معه من أهل مكة يقوم بدوره في الدعوة على حسب حاله تارة في السر وتارة في العلن ، كما هو معلوم فمكث في مكة عليه الصلاة والسلام ثلاثة عشر عامل يدعو إلى الله عز وجل وينذر قومه ويوجههم إلى الخير ويتلو عليهم كتاب الله ، ويدعوهم إلى مكارم الأخلاق ومحاسن الأعمال ، ولم يأمره الله بقتالهم ، وإنما هي دعوة فقط ليس فيها قتال بل توجيه وإرشاد وإيضاح للحق والخلق الكريم ، وتحذير من خلافه بالكلام الطيب واللطف والجدال بالتي هي أحسن كما قال جل وعلا: ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ وقال جل وعلا: فَاصْفَحِ الصَّفْحَ الْجَمِيلَ وقال سبحانه: وَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَاهْجُرْهُمْ هَجْرًا جَمِيلًا وقال سبحانه: فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ إلى أمثال هذه الآيات التي

فيها الأمر بالصفح والإعراض عنهم والجدال بالتي هي أحسن إلى غير ذلك ، وليس فيها الأمر بقتالهم ، لأن المقام لا يتحمل ذلك؛ لأن المسلمين قليلون وأعداؤهم كثيرون وبأيديهم السلطان والقوة فكان من حكمة الله أن منع رسوله والمسلمين من الجهاد باليد وأمرهم بالاكتفاء بالجهاد باللسان والدعوة وأمرهم أن يكفوا أيديهم عن القتال ، فهدى الله بذلك من هدى من المسلمين كالصديق رضي الله عنه وعمر الفاروق رضي الله عنه وعثمان ، رضي الله عنه . وعلي رضي الله عنه والزبير بن العوام وسعد بن أبي وقاص وعبد الله بن مسعود وعبد الرحمن بن عوف وسعيد بن زيد وطلحة بن عبيد الله وجم غفير من الصحابة ، رضي الله عن الجميع وأرضاهم .

ولما صدع النبي بالدعوة وبين بطلان آلهتهم التي يعبدونها من دون الله وأرشدهم إلى توحيد الله والإخلاص له ، عظم على أهل مكة ذلك واشتد عليهم الأمر؛ لأنهم يعظمون تلك الآلهة ولأن كثيرا منهم يرى في عبادتها والتعلق بها حفظا لرئاسته ومنزلته وسيطرته على الضعفاء ، وصاروا يحاولون الذود عنها ويكذبون على الرسول صلى الله عليه وسلم أكاذيب كثيرة وينفرون الناس عنه ويقولون عنه إنه شاعر ، وتارة مجنون وتارة ساحر وتارة كذاب ، إلى غير ذلك ، وهي أقاويل كلها باطلة وهم يعلمون أنها باطلة ، أعني أعيانهم ورؤساءهم وأهل الحل والعقد منهم ، كما قال سبحانه قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ فَإِنَّهُمْ لا يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ ولكن ليس لهم حيلة إلا أن يقولوا هكذا من الكذب والفرية والتزييف على الضعفاء من أهل مكة ومن غيرهم فأبى الله إلا أن يتم نوره ، ويظهر الحق ويدمغ الباطل ولو كره الكافرون ، فلم يزل يدعوهم عليه الصلاة والسلام ولم يزل يناظر الناس ويتلو عليهم كتاب الله ويرشدهم إلى ما بعثه الله به ويصدع بأمر ربه عز وجل ، حتى ظهرت الدعوة في مكة وانتشرت وسمع بها الناس ، العرب وغيرهم في البوادي والمدن ، فصارت الوفود تأتي إلى النبي صلى الله عليه وسلم ويتصلون به سرا ويسمعون منه عليه الصلاة والسلام حتى فشا الإسلام وظهر وبان لأهل مكة ، فعند ذلك شمروا عن ساعد العداوة وآذوا الرسول وآذوا أصحابه إيذاء شديدا ، وأمرهم معروف في السير والتاريخ فمنهم من عذب بالرمضاء ومنهم

من عذب بغير ذلك .

فلما اشتد الأمر بأصحاب الرسول صلى الله عليه وسلم واشتد بهم الأذى أذن لهم صلى الله عليه وسلم بالهجرة إلى الحبشة ، فهاجر من هاجر إلى الحبشة ومكثوا هناك ما شاء الله ثم بلغهم أن هناك تساهلا من المشركين .

وروي أنه بلغهم أنهم أسلموا لما سجدوا مع النبي صلى الله عليه وسلم في سورة النجم فرجع من رجع منهم فاشتد عليهم الأذى فهاجروا الهجرة الثانية إلى الحبشة وبقوا هناك إلى أن قدموا على النبي صلى الله عليه وسلم عام خيبر من الحبشة مع جعفر بن أبي طالب رضي الله عنه وعنهم ، ثم استمرت الحال والشدة على الرسول صلى الله عليه وسلم في مكة . . وجرى ما جرى في حصاره في شعب أبي طالب وغير هذا من الأذى ، ثم إن الله جل وعلا بعد ذلك أذن له بالهجرة إلى المدينة بعدما يسر الله له من الأنصار من يساعده ويحميه ويؤويه ، فإن الأنصار رضي الله عنهم وأرضاهم ، من الأوس والخزرج لما بلغتهم الدعوة اتصلوا بالنبي صلى الله عليه وسلم واجتمعوا به عند العقبة في منى مرات ثم في المرة الأخيرة بايعوه ، بايعه منهم جماعة فوق السبعين ، فبايعوه على الإسلام وعلى أن ينصروه ويحموه مما يحموا منه نساءهم وذرياتهم ، وطلبوا منه أن يهاجر إليهم فوافق على ذلك عليه الصلاة والسلام .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت