وأذن لأصحابه بالهجرة ثم انتظر أمر ربه فأذن الله له بعد ذلك فهاجر إلى المدينة فلله الحمد والمنة . وكان صلى الله عليه وسلم في مكة- كما هو معلوم- لم يكن يجاهدهم باليد ولا بالسيف ولكنه كان يجاهد بالدعوة والتوجيه والإرشاد والتبصير والعظة والتذكير وتلاوة القرآن ، كما قال الله تعالى: وَجَاهِدْهُمْ بِهِ جِهَادًا كَبِيرًا وهكذا كان أصحابه صلى الله عليه وسلم الذين بقوا في مكة ، كانوا هكذا إذا تمكنوا من الدعوة بذلوها لمن يتصل بهم في التوجيه والإرشاد والنصيحة ، ولكن مع هذا كله فالمسلمون قليلون والكفار أكثر ولهم السلطة ، ولهم اليد في مكة ، ولهذا قال الشاعر ويروى ذلك لحسان رضي الله عنه:
دعا المصطفى دهرا بمكة لم يجب
وقد لان منه جانب وخطاب
فلما دعا والسيف صلت بكفه
له أسلموا واستسلموا وأنابوا
هكذا كانت الحال بمكة ، إنما أجاب القليل وامتنع الأكثرون بسبب المآكل والرئاسة والكبر والحسد والبغي لا عن جهل بالحق ، ولا عن رغبة في الباطل ، لأنهم يعرفون أنه رسول الله وأنه صادق ، وكانوا يسمونه الأمين عليه الصلاة والسلام ، ولكن الحسد والبغي وحب الرئاسة والتسلط على الأمة يمنع الكثير من الناس عن قبول الحق وهكذا عظماء الروم وفارس ورؤساؤهم وأعيانهم ليس يخفى عليهم الحق وأدلته وبراهينه ، ولكن السلطان والرئاسة واستعباد الناس وما يلتحق بهذا يمنعهم من الخضوع إلى الحق ، ولما سأل هرقل أبا سفيان عن صفات النبي صلى الله عليه وسلم وأخبره أبو سفيان بذلك عرف أنه رسول الله واتضح له أنه نبي الله ودعا أمته لذلك؛ فلما رأى منهم النفرة وعدم الاستجابة نكس على عقبيه ورجع عما أظهر وقال: ( إنما فعلت هذا وقلت ما قلت لأمتحنكم وأعرف صلابتكم في دينكم ) ثم استمر على دين قومه وطغيانه وكفره نسأل الله العافية فآثر الدنيا على الآخرة . وهكذا أشباهه ونظراؤه يحملهم البغي والحسد وحب الرئاسة على خلاف الحق وعلى التنكر له ولأهله كما سبق في قوله جل وعلا: قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ فَإِنَّهُمْ لا يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ
هكذا يقول ربنا عز وجل عن فرعون وقومه وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ وقال الله عز وجل عن موسى عليه الصلاة والسلام أنه قال لفرعون لَقَدْ عَلِمْتَ مَا أَنْزَلَ هَؤُلاءِ إِلا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ بَصَائِرَ فهؤلاء الكفرة من الكبراء والأعيان يعرفون الحق وأن ما جاءت به الرسل هو الحق ، ولكن تمنعهم الرئاسات والتسلط على العباد وظلم العباد والاستبداد بالخيرات يمنعهم ذلك من قبول الحق؛ لأنهم يعرفون أنهم إذا قبلوا صاروا أتباعا وهم لا يرضون بذلك إنما يريدون أن يكونوا متبوعين ورؤساء ومتحكمين ومتسلطين ، فالإسلام جاء ليحارب هؤلاء ويقضي عليهم ليقيم دولة صالحة بقيادة صالحة يؤثرون حق الله وإنصاف الناس ويرضون بما يرضى به إخوانهم ، ولا يتجبرون ولا يتكبرون بل ينصفون إخوانهم ويسعون في صلاحهم وفلاحهم ويحكمون بينهم بالعدل ، ويشتركون معهم في الخيرات ولا يستبدون بها عنهم .
هكذا بعث الله نبيه محمدا صلى الله عليه وسلم بدين شامل ونظام عادل وشرائع مستقيمة تكسح نظم الفساد وتزيل أحكام الطغاة وتقضي على طرق الفساد وأخلاق المفسدين ، وتوجب على المسلمين اتباع هذا النظام المنزل في كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم كما توجب عليهم هذه الشريعة أن يتخلقوا بالعدل والإنصاف وأن يستقيموا على ما شرعه الله لهم وأن يحافظوا على ذلك ، وأن ينصف بعضهم بعضا ، وأن يؤدي الأمانة بعضهم لبعض ، وأن يحكموا فيما بينهم بشرع الله وأن يحاربوا الفساد والضلال وطرق الغي والغواية .
فلما هاجر عليه الصلاة والسلام واستقر به القرار في المدينة المنورة أمره الله بالتقوى وتطهيرها من الفساد وأهل الفساد وعمارتها بالمصلحين والصالحين ، فلما استقر به القرار في هذه البلاد المقدسة وحوله الأنصار والمهاجرون ، استمر في الدعوة عليه الصلاة والسلام ونشر ما بعثه الله به من الهدى ، وأذن الله له ولأصحابه في القتال والجهاد ، وأنزل في ذلك قوله سبحانه أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ ففي هذه الآية أذن لهم في الجهاد؛ لأنهم مظلومون ، والمقصود: أن الله جل وعلا أذن لهم بالقتال والجهاد ثم فرض الله ذلك سبحانه وتعالى وأوجبه بقوله جل وعلا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ الآية وأوجب عليهم سبحانه وتعالى الجهاد والقتال وأنزل فيه الآيات الكثيرات وحرض عليه سبحانه وتعالى وأمر به في كتابه العظيم وعلى لسان نبيه صلى الله عليه وسلم فكان أولا مباحا مأذونا فيه ثم فريضة على الكفاية كما قاله أهل العلم .
وقد يجب على الأعيان إذا اقتضت الأسباب ذلك كما لو حضر الصف ، أو حصر بلده أو استنفره الإمام ، ففي هذه المسائل الثلاث يتعين القتال إذا حضر الصفين ليس له أن ينصرف ولا أن يفر ، وكذلك إذا حاصر بلده العدو وجب عليه وعلى أهل البلد أن يقاتلوا ويدافعوا بكل ما يستطيعون من قوة وكذلك إذا استنفره الإمام وجب النفير كما هو معروف في محله ، فالمقصود أن الله فرض الجهاد وجعله فرضا على المسلمين وهو فرض كفاية إذا قام به من يكفي سقط عن الباقين ، وصار في حقهم سنة مؤكدة .