أما العرب فإن النبي صلى الله عليه وسلم والخلفاء الراشدين رضي الله عنهم لم يأخذوها منهم ، وهكذا من بعدهم الأئمة ، ويتضح من سيرتهم وعملهم أنه لا يجوز أن يبقى العرب على الشرك بالله أبدا ، بل إما أن يحملوا هذه الرسالة ، ويبلغوها الناس ، وإما أن يقضى عليهم ، فلا يبقوا في الأرض .
أما بقاؤهم بالجزية فغير لائق . . ولهذا جرى النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه وخلفاؤه ، على عدم قبولها من العرب ، وإنما قبلوها من الأعاجم كالمجوس وأشباههم ، كما قبلوها من اليهود والنصارى .
أما قول من قال بأن القتال للدفاع فقط ، فهذا القول ما علمته لأحد من العلماء القدامى ، أن الجهاد شرع في الإسلام بعد آية السيف للدفاع فقط ، وأن الكفار لا يبدءون بالقتال وإنما يشرع للدفاع فقط .
وقد كتب بعض إخواننا رسالة في الرد على هذا القول وفي الرد على رسالة افتراها بعض الناس على شيخ الإسلام ابن تيمية ، زعم فيها أنه يرى أن الجهاد للدفاع فقط . وهذا الكاتب هو فضيلة العلامة: الشيخ سليمان بن حمدان رسالة ذكر فيها أن هذا القول منقول عن بعض أهل الكوفة ، وإنما اشتهر بين الكتاب مؤخرا . . وأما العلماء فلم يشتهر بينهم ، وإنما المعروف بين العلماء أن الرسول صلى الله عليه وسلم بعدما هاجر أذن له في القتال مطلقا ، ثم فرض عليه الجهاد وأمر بأن يقاتل من قاتل ، ويكف عمن كف ، ثم بعد ذلك أنزل الله عليه الآيات الآمرة بالجهاد مطلقا ، وعدم الكف عن أحد حتى يدخل في دين الله ، أو يؤدي الجزية إن كان من أهلها كما تقدم . وهذا هو المعروف في كلام أهل العلم .
وقد تقدم ذكر قول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في الجمع بين النصوص وأنه هو الأقرب ولا نسخ ، وإنما تختلف الأحوال بقوة المسلمين وضعفهم: فإذا ضعف المسلمون جاهدوا بحسن حالهم ، وإذا عجزوا عن ذلك اكتفوا بالدعوة ، وإذا قووا بعض القوة قاتلوا من بدأهم ومن قرب منهم ، وكفوا عمن كف عنهم ، وإذا قووا وصار لهم السلطان والغلبة ، قاتلوا الجميع وجاهدوا الجميع حتى يسلموا ، أو يؤدوا الجزية ، إلا من لا تؤخذ منهم كالعرب . عند جمع من أهل العلم .
وقد تعلق بعض الكتاب الذين قالوا: إن الجهاد للدفاع فقط ، بآيات لا حجة لهم فيها ، وقد سبق الجواب عنها ، ويأتي مزيد لذلك إن شاء الله . ومعلوم أن الدفاع قد أوجبه الله على المسلمين ضد من اعتدى عليهم ، كما قال تعالى: فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ وكما في الآيات السابقة .
والإسلام جاء بدعوة الكفار أولا إلى الدخول فيه ، فإن أبوا فالجزية ، فإن أبوا وجب قتالهم مع القدرة كما تقدم في حديث بريدة ، وإن رأى ولي الأمر المصالحة ، وعدم القتال لأسباب تتعلق بمصلحة المسلمين ، جاز ذلك ، لقوله سبحانه: وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا الآية ، ولفعله صلى الله عليه وسلم مع أهل مكة يوم الحديبية .
وبذلك يعلم أنه لا حاجة للقتال إذا نجحت الدعوة ، وأجاب الكفار إلى الدخول في الإسلام .
فإن احتيج للقتال قوتل الكفار حينئذ بعد الدعوة والبيان والإرشاد فإن أبوا فالجزية إن كانوا من أهلها ، فإن أبوا وجب القتال أو المصالحة حسبما يراه ولي الأمر للمسلمين ، إذا لم يكن لدى المسلمين قدرة على القتال ، كما تقدم ، وقد تعلق القائلون بأن الجهاد للدفاع فقط بآيات ثلاث:
الأولى قوله جل وعلا: وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلا تَعْتَدُوا والجواب عن ذلك كما تقدم أن هذه الآية ليس معناها القتال للدفاع ، وإنما معناها القتال لمن كان شأنه القتال: كالرجل المكلف القوي ، وترك من ليس شأنه القتال: كالمرأة والصبي ونحو ذلك ، ولهذا قال بعدها: وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ
فاتضح بطلان هذا القول ، ثم لو صح ما قالوا ، فقد نسخت بآية السيف وانتهى الأمر بحمد الله .
والآية الثانية التي احتج بها من قال بأن الجهاد للدفاع هي قوله تعالى: لا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ وهذه لا حجة فيها؛ لأنها على الأصح مخصوصة بأهل الكتاب والمجوس وأشباههم ، فإنهم لا يكرهون على الدخول في الإسلام إذا بذلوا الجزية ، هذا هو أحد القولين في معناها .
والقول الثاني أنها منسوخة بآية السيف ولا حاجة للنسخ بل هي مخصوصة بأهل الكتاب كما جاء في التفسير عن عدة من الصحابة والسلف فهي مخصوصة بأهل الكتاب ونحوهم فلا يكرهون إذا أدوا الجزية وهكذا من ألحق بهم من المجوس وغيرهم إذا أدوا الجزية فلا إكراه ، ولأن الراجح لدى أئمة الحديث والأصول أنه لا يصار إلى النسخ مع إمكان الجمع ، وقد عرفت أن الجمع ممكن بما ذكرنا . فإن أبوا الإسلام والجزية قوتلوا كما دلت عليه الآيات الكريمات الأخرى .
والآية الثالثة التي تعلق بها من قال أن الجهاد للدفاع فقط قوله تعالى في سورة النساء: فَإِنِ اعْتَزَلُوكُمْ فَلَمْ يُقَاتِلُوكُمْ وَأَلْقَوْا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ فَمَا جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ عَلَيْهِمْ سَبِيلًا قالوا: من اعتزلنا وكف عنا لم نقاتله . وقد عرفت أن هذا كان في حال ضعف المسلمين أول ما هاجروا إلى المدينة ثم نسخت بآية السيف وانتهى أمرها ، أو أنها محمولة على أن هذا كان في حالة ضعف المسلمين فإذا قووا أمروا بالقتال كما هو القول الآخر كما عرفت وهو عدم النسخ .