فهرس الكتاب

الصفحة 983 من 1037

فهذه الآيات وما في معناها قال بعض أهل العلم: ليست ناسخة لآيات الكف عمن كف عنا وقتال من قاتلنا وليست ناسخة لقوله: لا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ ولكن الأحوال تختلف فإذا قوي المسلمون وصارت لهم السلطة والقوة والهيبة استعملوا آية السيف وما جاء في معناها وعملوا بها وقاتلوا جميع الكفار حتى يدخلوا في دين الله أو يؤدوا الجزية إما مطلقا كما هو قول مالك رحمة الله وجماعة ، وإما من اليهود والنصارى والمجوس على القول الآخر ، وإذا ضعف المسلمون ولم يقووا على قتال الجميع فلا بأس أن يقاتلوا بحسن قدرتهم ويكفوا عمن كف عنهم إذا لم يستطيعوا ذلك فيكون الأمر إلى ولي الأمر إن شاء قاتل ، وإن شاء كف ، وإن شاء قاتل قوما دون قوم على حسب القوة والقدرة والمصلحة للمسلمين لا على حسب هواه وشهوته ولكن ينظر للمسلمين ، وينظر لحالهم وقوتهم ، فإن ضعف المسلمون استعمل الآيات المكية ، لما في الآيات المكية من الدعوة والبيان والإرشاد والكف عن القتال عند الضعف ، وإذا قوي المسلمون قاتلوا حسب القدرة فيقاتلون من بدأهم بالقتال وقصدهم في بلادهم ويكفون عمن كف عنهم فينظرون في المصلحة التي تقتضيها قواعد الإسلام وتقتضيها الرحمة للمسلمين والنظر في العواقب كما فعل النبي صلى الله عليه وسلم في مكة وفي المدينة أول ما هاجر .

وإذا صار عندهم من القوة والسلطان والقدرة والسلاح ما يستطيعون به قتال جميع الكفار أعلنوها حربا شعواء للجميع ، وأعلنوا الجهاد للجميع كما أعلن الصحابة ذلك في زمن الصديق وعمر وعثمان رضي الله عنهم وكما أعلن ذلك الرسول صلى الله عليه وسلم في حياته بعد نزول آية السيف ، وتوجه إلى تبوك لقتال الروم ، وأرسل قبل ذلك جيش مؤتة لقتال الروم عام 8 من الهجرة وجهز جيش أسامة في آخر حياته صلى الله عليه وسلم

وهذا القول ذكره أبو العباس شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله واختاره وقال: ( إنه ليس هناك نسخ ولكنه اختلاف في الأحوال؛ لأن أمر المسلمين في أول الأمر ليس بالقوي وليس عندهم قدرة كاملة فأذن لهم في القتال لمن قاتلهم فقط ، ولما كان عندهم من القدرة بعد الهجرة ما يستطيعون به الدفاع أمروا بقتال من قاتلهم وبالكف عمن كف عنهم ، فلما قوي الإسلام وقوي أهله وانتشر المسلمون ودخل الناس في دين الله أفواجا أمروا بقتال جميع الكفار ونبذ العهود وألا يكفوا إلا عن أهل الجزية من اليهود والنصارى والمجوس إذا بذلوها عن يد وهم صاغرون ) وهذا القول اختاره جمع من أهل العلم واختاره الحافظ ابن كثير رحمه الله عند قوله جل وعلا في كتابه العظيم: وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ وهذا القول أظهر وأبين في الدليل؛ لأن القاعدة الأصولية أنه لا يصار إلى النسخ إلا عند تعذر الجمع بين الأدلة ، والجمع هنا غير متعذر ، كما تقدم بيانه والله ولي التوفيق .

أما ما يتعلق بالجزية فقول من قال إنها تؤخذ من الجميع أظهر إلا من العرب خاصة . ووجه ذلك ما ثبت في الصحيح عن بريدة رضي الله عنه أن النبي 0 كان إذا بعث أميرا على جيش أو سرية أوصاه بتقوى الله وبمن معه من المسلمين خيرا ثم قال"امض باسم الله في سبيل الله قاتلوا من كفر بالله فعلق الحكم بالكفر ، فدل ذلك على أنهم يقاتلون لكفرهم ، إذا كانوا من أهل القتال ، كما تدل عليه آيات أخرى ."

ثم قال صلى الله عليه وسلم: اغزوا في سبيل الله ، قاتلوا من كفر بالله ، اغزوا ولا تغلوا ولا تغدروا ولا تمثلوا ولا تقتلوا وليدا ثم قال بعد هذا:"وإذا لقيت عدوك من المشركين فادعهم إلى ثلاث خصال أو خلال فأيتهن أجابوك إليها فاقبل منهم وكف عنهم ادعهم إلى الإسلام ثم قال بعد ذلك: فإن أبوا فاسألهم الجزية ثم قال بعد ذلك: فإن أبوا فاستعن بالله وقاتلهم فأمر صلى الله عليه وسلم أميره على الجيش والسرية أن يدعو الأعداء أولا للإسلام ، فإن أجابوا كف عنهم ، فإن أبوا دعاهم إلى الجزية ، فإن أجابوا كف عنهم ، وإلا فاستعان بالله وقاتلهم ."

ولم يفرق بين اليهود والنصارى وغيرهم ، بل قال: عدوك من المشركين

وهذا يظهر منه العموم ، ولكن ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله أن عامة العلماء لم يروا أخذها من العرب .

قالوا: لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو الذي تنزل عليه الآيات ، وهو أعلم بمعناها لم يأخذها من العرب ، بل قاتلهم حتى دخلوا في الإسلام . وهكذا الصحابة بعده لم يقبلوها من عربي ، بل قاتلوا العرب في الجزيرة حتى دخلوا كلهم في دين الله . والله جل وعلا قال في حقهم وغيرهم: فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ وقال في الآية الأخرى: فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ ولم يذكر الجزية في هذا المكان .

فالقول بأنها لا تؤخذ من العرب هو الأقوى والأظهر والأقرب ، وأما من سواهم فقول من قال: بعموم النص- أعني حديث بريدة- أظهر ، أخذا بالأدلة من القرآن والسنة جميعا ، ولأن المقصود من الجهاد هو إخضاعهم للحق ، ودعوتهم إليه ، وأن يكفوا عنا أذاهم وظلمهم ، فإذا فعلوا ذلك ودخلوا في دين الله ، فالحمد لله ، وإن أبوا طالبناهم بالجزية ، فإن بذلوها والتزموا الصغار والشروط التي تملى عليهم قبلناها منهم وكففنا عنهم .

فإن أبوا أن يدخلوا في الإسلام ، وأن يبذلوا الجزية قاتلناهم؛ لما في ذلك من المصلحة لهم وللمسلمين ، ولأن ذلك هو الموافق لحديث بريدة رضي الله عنه مع الآيات في اليهود والنصارى ، ومع حديث عبد الرحمن في المجوس .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت