حدثنا ابن بكير: قال: حدثني يعقوب قال: سمعت أبي يقول: قال عمر بن عبد العزيز يومًا: وددت أن عندي عسلًا من عسل سينين أو لبنان. قال: فسمعت فاطمة بنت عبد الملك امرأتهن فحملت بعض غلمانها أو بعض مواليها إلى ابن معدي كرب - وهو عامل ذلك المكان - أن أمير المؤمنين قد تشهى من عسل سينين أو لبنان. فأرسل إليها بعسل كثير، فلما انتهى بالعسل إليها أرسلت به إلى عمر، فقالت: هذا الذي تشهيت يا أمير المؤمنين يوم الأول. قال: كأني بك يا فاطمة لما بلغك ما تشهيت هذا العسل فبعثت بعض مواليك أو بعض غلمانك إلى ابن معدي كرب. فأمر بذلك العسل فأخرج إلى السوق فبيع وادخل ثمنه بيت مال المسلمين، ثم كتب إلى ابن معدي كرب أن فاطمة بنت عبد الملك بعثت إليك تخبرك بأني تشهيت عسلًا من عسل سينين أو لبنان فبعثت إليها، وأيم الله لئن عدت لمثلها لا تعمل لي عملًا أبدًا ولا أنظر إلى وجهك.
حدثنا ابن بكير وأبو زيد نحوه، قالا: حدثنا يعقوب عن أبيه: أن عبد الله بن عمر بن عبد العزيز أتى إلى أبيه - وهو خليفة - يستكسي أباه فقال: يا أبه اكسني. فقال: اذهب إلى الخيار بن رياح البصري فإن لي عنده ثيابًا فخذ منها ما بدا لك. قال: فذهب إلى الخيار بن رياح، فقال: أني أستكسيت أبي فأرسلني إليك وقال إن لي عند الخيار بن رياح ثيابًا سنبلانية أو قطرية. فقال: هذا مالأمير المؤمنين عندي فخذ منها، فرجع عبد الله بن عمر إلى أبيه عمر بن عبد العزيز فقال: يا أبتاه استكسيتك فأرسلتني إلى الخيار بن رياح، فأخرج لي ثيابًا ليست من ثيابي ولا من ثياب قومي. قال: فذاك مالنا عند الرجل. فانصرف عبد الله بن عمر حتى إذا كاد أن يخرج ناداه فقال: مالك أن أسلفك من عطائك مائة درهم ؟ قال: نعم يا أبتاه. فأسلفه مائة درهم، فلما خرج عطاؤه حوسب بها فأخذت منه.
حدثنا حرملة حدثنا ابن وهب حدثني الليث عن يحيى ابن سعيد وغيره: أن عمر بن عبد العزيز قدم عليه بعض أهل المدينة، فجعل يسائله عن أهل المدينة. فقال: ما فعل المساكين الذين كانوا يجلسون في مكان كذا وكذا ؟ قال قد قاموا منه يا أمير المؤمنين. قال: فما فعل المساكين الذين كانوا يجلسون مكان كذا وكذا ؟ قال: قد قاموا منه وأغناهم الله. قال: وكان من أولئك المساكين من يبيع كبب الخيط للمسافرين، فالتمس ذلك منهم بعد، فقالوا: قد أغنانا الله عن بيعه بما يعطينا عمر. قال يحيى بن سعيد: فقال عمر: فما فعل بسر ابن سعيد ؟ فقال: صلح يا أمير المؤمنين قال عمر: أفي ثوبيه الذين كنت أعرف. قال: نعم في ثوبيه. فقال عمر: والله لئن كان بسر بن سعيد وعبد الله بن عبد الملك في الجنة في درجة واحدة لأن أعيش بعيش عبد الله ابن عبد الملك وأكون معه في درجته أحب إلي أن أعيش بعيش بسر بن سعيد وأكون معه في درجته.
حدثني حرملة أخبرنا ابن وهب قال: حدثني الليث: أن أبا النضر حدثه قال: دسست إلى عمر بن عبد العزيز بعض أهله أن قل له أن فيك كبرًا وأنه يتكبر. فقيل ذلك. فقال عمر: قل له لبئس ما ظننت أن تراني أتوقى الدينار والدرهم مراقبة الله فانطلق إلى أعظم الذنوب فأركبه؛ الكبرياء إنما هو رداء الرحمن فأنازعه إياه، ولكن كنت غلامًا بين ظهري قومي يدخلون علي بغير إذن، ويتوطئون فرشي ويتناولون مني ما يتناول القوم من أخيهم الذي لا سلطان له عليهم، فلما أن وليت خيرت نفسي في أن أمكنهم مني حالتهم التي كنت لهم عليها، وأخالفهم فيما خالف الحق، أو أتمنع عنهم في بابي ووجهي ليكفوا عني أنفسهم وعن الذي أحذر عليهم لو كنت جرأتهم على نفسي من العقوبة والأدب، فهو الذي دعاني إلى هذا.