حدثني محمد بن رمح حدثني الليث بن سعد أنه بلغه: أن مسلمة بن عبد الملك لما رأى عمر بن عبد العزيز اشتد وجعه وظن أنه ميت قال: يا أمير المؤمنين إنك قد تركت بنيك عالة لا شيء لهم ولا بد لهم مما لا بد لهم منه، فلو أوصيت بهم إلي وإلى ضربائي من قومي فكفوك مؤونتهم ؟ فقال: أجلسوني: فأجلسوه فقال: ما ذكرت من فاقة ولدي وحاجتهم فوالله ما منعتهم حقًا هو لهم، وما كنت لأعطيهم حق غيرهم، وأما ما ذكرت من استخلافك ونظرائك عليهم ليكفوني مؤونتهم فإن خليفتي عليهم الذي نزل الكتاب وهو يتولى الصالحين ادعهم لي. فدعوتهم وهم اثنا عشر، فاغرورقت عيناه وقال: بأي نفس تركتهم عالة، وإنما هم أحد رجلين؛ إما رجل يتقي الله ويراقبه فسيرزقه الله، وإما رجل وقع في غير ذلك فلست أحب أن أكون قويته على خلاف أمر الله، وقد تركتهم بخير لن يلقوا أحدًا من المسلمين ولا أهل الذمة إلا سيرى لكم حقًا انصرفوا عصمكم الله وأحسن الخلافة عليكم - رحمة الله على عمر.
حدثنا عبد الله بن عثمان حدثنا محمد بن مروان حدثنا عمارة بن أبي حفصة أن مسلمة بن عبد الملك دخل على عمر بن عبد العزيز في مرضه الذي مات فيه فقال: من توصي بأهلك ؟ قال: إذا نسيت الله فذكرني. قال: فعاد فقال: من توصي بأهلك ؟ فقال: إن ولي فيهم الله الذي نزل الكتاب وهو يتولى الصالحين.
حدثنا عبد الله بن عثمان أخبرنا عبد الله قال: قال عمر بن عبد العزيز لمزاحم مولاه - وكان فاضلًا - قال: إن هؤلاء القوم - يعني أهله - اقطعوني ما لم يكن لي أن آخذه، ولا لهم أن يعطوني، وإني قد هممت بردها على أربابها. قال: فقال مزاحم: فكيف تصنع بولدك ؟ قال: فخرت دموعه على وجنتيه. قال فجعل يمسحها باصبعه الوسطى ويقول: أكلهم إلى الله. قال عبد الله: فيعرف أنه كان يجد بولده ما يجد القوم بأولادهم. قال عبد الله: وكأن مزاحم مع فضله لم يقنع بقوله، فخر مزاحم، فدخل عبد الملك بن عمر فقال: إن أمير المؤمنين قد هم بأمر لهو أضر عليك وعلى ولد أبيك من كذا وكذا إنه قد هم برد البسيطة - قال عبد الله: وهي باليمامة وهي أمر عظيم. قال: وكان عيش ولده منها. قال عبد الملك: فماذا قلت له ؟ قال: كذا وكذا. لبئس لعمر الله وزير الخليفة أنت. قال: ثم قام ليدخل على عمر وقد تبوأ مقيله. قال: فأستأذن. قال: فقال له البواب إنه قد تبوأ مقيله. قال: ما منه بد. قال: سبحان الله ألا ترحموه إنما هي ساعته. قال: فسمع عمر صوته فقال: أعبد الملك ؟ قال: نعم. قال: ادخل. قال: فدخل. قال: ما جاء بك ؟ قال: إن مزاحمًا أخبرني بكذا وكذا وقال: فما رأيك فإني أريد أن أقوم به العشية. قال: أرى أن تعجله فما يأمنك أن يحدث بك حدث أو يحدث بقلبك حدث. قال فرفع يديه فقال: الحمد لله الذي جعل لي من ذريتي من يعينني على ديني. قال: ثم قام من ساعته فجمع الناس وأمر بردها.
حدثنا هشام بن عمار حدثنا يحيى بن حمزة حدثني سليمان: أن عمر نظر في مزارعه فخرق سجلاتها غير مزرعتي خيبر والسويداء. فسأل عمر: خيبر من أين كانت لأبيه ؟ قيل: كانت فيئًا على رسول الله صلى الله عليه وسلم فتركها رسول الله صلى الله عليه وسلم فيئًا على المسلمين حتى كان عثمان بن عفان فأعطاها مروان بن الحكم، وأعطاها مروان بن عبد العزيز أبا عمر، وأعطاها عبد العزيز عمر، فخرق سجلتها وقال: أنا أتركها حيث تركها رسول الله صلى الله عليه وسلم. وبلغني أنها فدك.
حدثنا هشام بن عمار قال: حدثنا يحيى بن حمزة قال: حدثنا سليمان بن داؤد الخولاني: إن رجلًا بايع عمر بن عبد العزيز فمد يده إليه، ثم قال: بايعني بلا عهد ولا ميثاق تطيعني ما أطعت الله فإن عصيت الله فلا طاعة لي عليك فبايعه.
حدثني هشام قال: ثنا يحيى عن سليمان بن داؤد: أن عبدة بن أبي لبابة بعث معه الخمسين ومائة يفرقها في فقراء الأمصار، فأتيت الماجشون فسألته فقال: ما أعلم أن فيهم اليوم محتاج، لقد أغناهم عمر بن عبد العزيز، فدفع إليهم فلم يترك منهم أحدًا إلا الجند.
حدثنا هشام حدثنا يحيى حدثنا سليمان: أن عمر بن عبد العزيز كان كثيرًا ما يردد هذا القول ما يرد علي نفسي من نفس إن أنا قتلتها، وإنما هي في كتاب الله النفس بالنفس، من قتل نفسًا فقد أغلق رهنه، فلو كان لي نفسان فأعذر بأحدهما وأمسك بالأخرى.