حدثنا زيد بن بشر الحضرمي حدثنا ضمام عن بعض أهل المدينة قال: لما كانت بيعة سليمان بن عبد الملك مع بيعة الوليد كره سعيد بن المسيب أن يبايع بيعتين، فكتب صاحب المدينة إلى عبد الملك بن مروان يخبره أن سعيد بن المسيب كره أن يبايع لهما جميعًا. فكتب عبد الملك إلى صاحب المدينة: وما كان حاجتك إلى رفع هذا عن سعيد بن المسيب، ما كنا نخاف منه. فأما إذا ظهر ذلك وأنتشر في الناس فأدعه إلى ما دخل فيه من دخل في هذه البيعة، فإن أبي فأجلده مائة سوط، واحلق رأسه ولحيته، وألبسه ثيابًا من شعر، وأوقفه على الناس في سوق المسلمين لئلا يجترىء علينا غيره فلما علم من كان من قريش سألوا الوالي أن لا يعجل عليه حتى يخوفوه بالقتل فعسى أن يجيب، فأرسلوا مولى له كان في الحرس فقالوا: اذهب فأخفه بالقتل وأخبره أنه مقتول لعل ذلك يخيفه حتى يدخل فيما دخل فيه الناس. فجاءه مولاه - وهو على مسجده يصلي - فبكى المولى، فقال له سعيد: ما يبكيك ويحك ؟ قال: يبكيني ما يراد بك قد جاء كتاب فيك إن لم تبايع قتلت فجئتك لتتطهر وتلبس ثيابًا طاهرة وتفرغ من عهدك. قال: ويحك قد وجدتني أصلي على مسجدي فتراني كنت أصلي ولست بطاهر وثيابي غير طاهرة، وأما ما ذكرت من العهد فإني أضل ممن أرسلك إن كنت بت ليلةً ولم أفرغ من عهدي، فإذا شئت فإني لم أكن لأبايع بيعتين في الاسلام بعد حديث سمعته عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: إذا كانتا بيعتين فأقيلوا الحدثى منهما. فانطلق معه. فلما أتى الوالي دعوه فأبى أن يجيب. فأمره بلبس ثياب من شعر، وأمره بالتجريد فجلد مائة سوط وحلق رأسه ولحيته ووقف فقال: لو كنت أعلم أنه ليس شيء إلا هذا ما نزعت ثيابي طائعًا ولا أجبت إلى ذلك. فقال ضمام: فبلغني أن هشام بن إسماعيل كان إذا خطب الناس يوم الجمعة يحول إليه سعيد بن المسيب وجهه ما دام يذكر الله حتى إذا رفع يمدح عبد الملك ويقول فيه ما يقول أعرض عنه سعيد بوجهه فلما فطن له هشام أمر حرسيًا أن يخضب وجهه إذا تحول عنه، ففعل ذلك به، فقال سعيد لهشام - وأشار إليه بيده فقال - هي ثلاث. فما تمر به إلا ثلاثة أشهر حتى عزل هشام.
حدثنا محمد بن أبي زكير قال: أخبرنا ابن وهب قال: حدثني مالك قال: ضرب سعيد بن المسيب مائة وادخل في ثياب من شعر. قال مالك: وقال عمر بن عبد العزيز: ما أغبط رجلًا لم يصبه في هذا الأمر أذى. قال ابن وهب: وحدثني مالك: بلغني أن ابن المسيب لما جلس بعث إليه أهل بطعام صنعوه له قلما أتي به قال سعيد: لا أذوقه، انظروا الأقراص الأربعة التي كنت آكلهم بالزيت في البيت فابعثوا بهن إلي. قال مالك: وكان معه رجل في السجن فبعث إليه أهله بألوان من الطعام، فقال له سعيد: أرأيت تريد أن تجلس ها هنا كف هذا عنك.
حدثنا الحجاج ثنا حماد عن علي بن زيد قال: قلت لسعيد بن المسيب يزعم قومك أنه إنما منعك من الحج أنك جعلت لله عليك إذا رأيت الكعبة أن تدعو على بني مروان ؟ قال: ما فعلت وما أصلي لله صلاة إلا دعوت الله عليهم، وإني قد حججت واعتمرت بضعًا وعشرين مرة. حدثنا محمد بن أبي زكير قال: أخبرنا ابن وهب قال: سمعت مالكًا يحدث: أن غلامًا من العمال بعث إلى سعيد بن المسيب بخمسة آلف درهم، فقال له الرسول: بعث بهذا إليك - أصلحك الله - لتنفقها وتجعلها في حاجتك. قال وسعيد جاد مجد يحاسب غلامًا له في نصف درهم يدعيه قبله والغلام يقول: ليس لك عندي شيء. قال سعيد للرسول: اذهب إلى عملك، ثم عرضها عليه الرسول أيضًا، فقال: اغرب عني، وأبي أن يأخذها منه. ووكله إنسان في تركة أن يأخذها، فقال له ابن المسيب: هذا النصف درهم أحب إلي منها.
حدثنا سليمان بن حرب قال: حدثنا سلام بن مسكين عن عمران بن عبد الله الخزاعي قال: قدم الوليد بن عبد الملك المدينة فأقام، فأرسل رسولًا إلى سعيد بن المسيب أن يأتيه، فجاءه الرسول فقال: إن أمير المؤمنين يدعوك فأجب. فقال له: قل له ليس لي إليك حاجة وحاجتك عندي غير مقضية. فرجع الرسول، فقال: اذهب فقل له: إنما أكلمك في حاجة. فجاء الرسول فقال: إنما يريدك في حاجة. فقال: ليس لي إليه حاجة، وحاجته عندي غير مقضية. فقال: يرسل إليك أمير المؤمنين وتقول هذا القول فلو أنه قد تقدم إلي فيك لحملت إليه رأسك.