فهرس الكتاب

الصفحة 102 من 832

لا أنَّك تَسمَع الصَّوتَ نفسَه كما ظنَّ بعضُ المعاصِرين [1] ؛ لأنَّ ابنَ سينا مُدركٌ بطبيعة الحال للتجويفات وأثرها في تغيير سمات الصَّوت.

7 ـ من الأمور المهمَّة التي ذكرها أصحابُ هذه المدرسة، ومنهم ابن سينا تعدُّدُ وظائف الأعضاء، فمن ذلك اللِّسانُ بيَّن ابنُ سينا وظيفتَه الأساسية في الطَّعام، ثمَّ وظيفته الثانويَّة في الكلام، مبيِّنًا أنواع الألسنة القادرة على الكلام، قال:"هو من آلاتِ تَقليبِ المَمْضُوغ، وتَقطيعِ الصَّوْت وإخراجِ الحروف، وإليه تمييزُ الذَّوْق ... وأفضلُ الألسنة في الاقتدار على جَوْدة الكلام: المُعتدِلُ في طولِه وعَرْضه، المستدِقُّ عند أسَلته. وإذا كان اللِّسانُ عظيمًا عريضًا جدًا، أو صغيرًا كالمُتشنِّج لم يكن صاحبُه قديرًا على الكلام" [2] .

8 ـ أدرك ابن سينا دور الحنك اللَّحميّ في كونه بوابةً للصَّوت وفي تعديل الهواء، قال ابنُ سينا عن اللَّهاة بمعناها الواسع:"وأمَّا اللَّهاةُ، فهي جَوهرٌ لحميٌّ معلَّقٌ على أعلى الحَنْجَرة كالحِجاب. ومنفعَتُه: تَدريجُ الهواء؛ لئلاَّ يَقْرَعَ ببردهِ الرِّئةَ فجأةً، ولِيَمْنَعَ الدُّخانَ والغبارَ، ولِيَكُونَ مقرعةً للصَّوْت يُقَوَّى بها. ويَعظُمُ كأنَّهُ بابٌ مُوصَدٌ على مخرجِ الصَّوْتِ بِقَدْرِه" [3] .

كلامُ ابن سينا هذا أحدُ الأمثلة التي تُبيِّنُ إدراكَ المتقدِّمين لدَورِ الفراغاتِ الرَّنِينيَّة في تقويةِ الصَّوت وتضخيمه، وإلى وظيفةِ اللَّهاةِ (الحنك اللَّحميِّ) التي تؤدِّي دَور البوَّابة للصَّوْتِ الخارج من الحَنْجَرة. وهو بعينه ما تذكره كتب علم الأصواتِ المُعاصر.

9 ـ حدَّد ابن سينا بدقَّةٍ مكان خروج الهمزةِ والهاء حيث جعلهما من الحَنجَرة، ووصف كيفية حدوثهما بشكلٍ لافتٍ للأنظار.

10 ـ جاء وصفُ ابن سينا دقيقًا لحروف الإطباق حين ذكَر التفاوُتَ في انطباق اللِّسان على الحنك في هذه الأصوات على حين أنَّ عبارةَ سيبويه جاءتْ عامَّةً، ولم تُحدِّد لنا مقدارَ هذا الانطباق، وسيأتي تفصيل ذلك.

11 ـ يَلْتَقي ابن سينا مع المدرسة النقلية في بعض المصطلحات، فمن ذلك: مصطلحا الإطباق والصَّفير حيث استعملَهُما بنفس مفهومهم لهما مع اتساعٍ في حروفهما.

12 ـ إنَّ معرفةَ ابنِ سينا لكيفيَّة تولُّد الصَّوت الحادِّ والثقيل في الحَنجَرَةِ في قوله:"إذا تَقَارَبَ غُضْرُوفُ الذي لا اسمَ لهُ من الدَّرَقيِّ وضامَّه حدَثَ منه تضيُّق الحَنجَرة، وإذا تنحَّى عنه وباعَدَهُ حدَث منه اتساعُ الحَنجَرة، ومن تَقَارُبِهِ وتَبَاعُدِهِ يحدُثُ الصَّوتُ الحادُّ والثقيلُ" [4] ، فيه إدراكٌ صوتيٌّ دقيق لعمليَّة شدِّ الوترَين

(1) انظر: الأصوات اللغوية لإبراهيم أنيس ص 149 وما بعدها.

(2) القانون في الطب ص 1061.

(3) القانون في الطب 2/ 1103.

(4) أسباب حدوث الحروف ص 65 - 66.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت