وتابعه العلماء على استعماله، منهم: المبرِّدُ [1] ، وابن جنيّ [2] ، ومكيّ [3] ، والدانيُّ [4] ، والقرطبيُّ [5] ، والهمَذانيّ [6] ، وابن الطحَّان الأندلسيُّ [7] .
ومن وحي كلام سيبويه عَدَّ ابنُ جنيّ في أوَّل حديثه عن صفات الحروف: (المضغوط من الحروف) ، من الصِّفات دون أن يُبيِّنَ ما المقصود به في ذلك المَوضع، وتأخَّر حديثُه عنه إلى ما بعد ستِّين من الصفحات، حين ردَّد كلام سيبويه عن حروف القلقلة بأنَّها ضُغطتْ من مواضِعِها [8] ، فترجَّح أن تكون هي المقصودة بهذا التلقيب.
وهو الذي جعَل القرطبيَّ يَضُمُّ: (الضَّغطَ) إلى صفاتِ الحروف [9] .
وممَّا يؤكِّدُ على ذلك ما ذكَره الهمَذانيُّ من أنَّ أصواتَ القلقلة قد تُسمَّى بـ: (المَضْغُوطةِ) ؛ لأنَّه لا يُمكنُ الوقفُ عليها إلاَّ بصُوَيتٍ يَلْحَقُها لضَغْطِها [10] .
المعنى الثاني: (الضغط، الانضغاط، المضغوط) = انضغاطُ الهواءِ وانفِلاتُه مِن بين الجسمَين المتقاوِمين لإحداث الصَّوت (لغويٍّ كان أم غير لغويٍّ) .
ذكَرَ يوحنَّا بن ماسَوَيه أنَّ القَرْعَ يَكُونُ بانضِغَاطِ الرِّيحِ في الحَنجَرة" [11] ."
واستَعمل الكنديُّ لفظ: (المضغوط) في وصفِ صوتِ هواءِ الحاءِ، قال عنها: إنَّها"تَحتاجُ إلى نفَسٍ يَخرُجُ مع الحنك بِتَنَحْنُحٍ مسرعٍ مضغوطٍ بأصلِ اللِّسان واللَّهَوات مع رأسِ المريء" [12] .
وقد ذكرتُ من قبل أنَّ من عناصر حدوث الصَّوت انضغاطَ الوسط ـ وهو الهواءُ هنا ـ بين الأجسام المتصادمة، وهذا ما عبَّرَ عنه إخوان الصفاء بقولِهم:"وإنَّما يَحدُثُ الصَّوتُ من تصادُمِ الأجسام إذا كانت صَدْمَتُها بسرعةٍ، فينضَغِطُ الهواءُ عند ذلك، وتتَدافَعُ أمواجُه، وتتموَّجُ حركتُه إلى الجهاتِ الستِّ بسرعةٍ،"
(1) المقتضب 1/ 330.
(2) سر صناعة الإعراب 1/ 63 - 64.
(3) الرعاية ص 124.
(4) التحديد ص 109.
(5) الموضح ص 93.
(6) التمهيد في معرفة التجويد ص 281.
(7) مخارج الحروف وصفاتها ص 134 - 135.
(8) سر صناعة الإعراب 1/ 4 و 1/ 63.
(9) الموضح ص 99.
(10) التمهيد في معرفة التجويد ص 281.
(11) نقل ذلك عنه الرازيُّ في الحاوي في الطب 3/ 166.
(12) رسالة في اللُّثغة ص 525.