إلى الكسَل، وعدمُ الرَّغبة في إحداثِ أيِّ تغييرٍ في حالتِها عند التعرُّض لقوَّةٍ خارجيَّةٍ مؤثِّرةٍ عليها، قال ابن سينا: ليستِ المعاوَقَةُ للجسمِ بما هو جسمٌ، بل بمعنىً فيه يَطْلُبُ البَقاءَ على حالِهِ من المكانِ أو الوَضْع" [1] ."
ويُعدُّ صوتُ الألفِ هو الوضعُ الأصليُّ لكلِّ الحروف من حيثُ إنَّه لا يتعرَّضُ لأيِّ مقاومةٍ في مخارجِ النُّطْق، ولا قُوَّةٍ خارجيَّةٍ تؤثِّرُ عليه، إذا أغفَلْنا بالطَّبْع مقاومةَ الوترين الصَّوتيَّين، قال ابن سينا:"وأمَّا الألفُ المُصوِّتةُ وأختُها الفتحةُ فأظنُّ أنَّ مخرجَهُما مع إطلاقِ الهواء سَلِسًا غيرَ مُزَاحَمٍ" [2] .
أمَّا باقي الحروفِ فإنَّها تتَعرَّضُ لقوَّة خارجيَّةٍ مؤثِّرَةٍ تَقْطَعُ هذا الصَّوتَ في مخارج النُّطق أو تُعيقُه عن حركتِه، فيُحَاوِلُ استِعادَةَ وضعِه الأصليِّ، وهي المقاوَمةُ التي تَحدُثُ منه في مخارجِ النُّطق، ويتولَّد عنها الأصداءُ المختلفةُ للحروف، لخَّص ابن جنيّ كيفيَّة مرور الصَّوت في الألف وغيرها بقولِه:"شَبَّه بعضُهم الحَلْقَ والفمَ بالنَّايِ، فإنَّ الصَّوْتَ يَخْرُجُ فيه مُسْتَطيلًا أمْلَسَ ساذَجًا، كما يَجْري الصَّوتُ في الألفِ غُفْلًا بغيرِ صَنْعَةٍ، فإذا وضَعَ الزَّامِرُ أنامِلَهُ على خُرُوقِ النَّايِ المَنْسُوقَةِ، وراوَحَ بين عَمَلِهِ، اختلفَتِ الأصواتُ، وسُمِعَ لِكُلِّ خَرْقٍ مِنْها صَوْتٌ لا يُشْبِهُ صاحِبَهُ، فكذلك إذا قُطِع الصَّوْتُ في الحَلْقِ والفم باعتِمادٍ على جهاتٍ مختلِفَةٍ كان سببَ استماعنا هذه الأصواتِ المُخْتَلِفَةِ" [3] .
كما يُقرِّرُ الفيزيائيُّون أنَّه إذا أثَّرَ جسمٌ بقوَّةٍ مَّا على جسمٍ ثانٍ، فإنَّ الجسمَ الثاني يؤثِّرُ على الأوَّلِ بقوَّةٍ مُساوِيةٍ لها في المِقدارِ ومُضَادَّةٍ في الاتِّجاه" [4] ."
مثال ذلك: يَغْضَبُ أحدُنا، فيَضْرِبُ المِنْضَدةَ بقَبْضَةِ يدِه بكلِّ ما أوتِيَ مِن قُوَّةٍ مُبدِيًا اعتراضَهُ ومُعبِّرًا عن ثَوْرَتِه، وتَرى فجأةً تعبيرَ الألَمِ على وجهِه، ويُمسِكُ بيدِه التي أصابَها الألمُ من عُنفِ الضَّرْبَةِ التي انقَضَّ بها على المِنضَدة؛ ولكن لماذا تألَّمَتْ يدُه؟ لا بدَّ أنَّ المِنضَدَةَ تَجَاوبَتْ مع انفِعالِ صاحبِنا فرَدَّتِ الضَّرْبَةَ إليهِ بالعُنفِ نفسهِ، والشِّدَّة نفسِها، وكأنَّها بكلِّ العِنادِ تقولُ له: البادئُ أَظْلَم" [5] ."
ولا شكَّ أنَّ رَدَّ الفِعْلِ هذا يخْتَلِفُ بحسب نوعيَّة الجِسْمَين المُتَقَاوِمَين، فالمنضِدَةُ أشعرَتْكَ بالألم بسبب صلابتِها، بخلاف ما لو ضربتَ قُطْنًا أو صوفًا، ولذلكَ ذكَر ابن سينا أنَّ الجِسمَين المُتَقاوِمَين كلاهما سببٌ فاعِلٌ في حُدُوث الصَّوتِ، والمقَاوَمةُ لا تَخصُّ فقط الجسمَ المَصْدُومَ، قال:"والقارِعُ والمَقْرُوعُ كِلاَهُما فَاعِلاَنِ للصَّوتِ، لكِنْ أَوْلاَهُما به ما كان أصلبهما وأشدّهما مُقَاوَمَةً، فإنَّ حَظَّهُ في ذلك أشدُّ" [6] .
(1) الفيزياء للأدباء ص 79.
(2) أسباب حدوث الحروف ص 84.
(3) سر صناعة الإعراب 1/ 8.
(4) الفيزياء للأدباء ص 79.
(5) الفيزياء للأدباء ص 81 - 82 بتصرُّف.
(6) الشفاء قسم الطبيعيات الجزء السادس الخاص بالنفس ص 74 - 75.