فهرس الكتاب

الصفحة 300 من 832

ولا يُشترَط في المقروع المقاوِم أن يكون جسمًا صُلْبًا، بل ربَّما يُشَكِّلُ الهواءُ نفسهُ مقاومةً، حتى يكونَ بمثابةِ الجدار الصُّلْب، بسبب تركِيز الطاقة الموجية في منطقةٍ صغيرةٍ جدًا أمام المصدَر، ومثال ذلك ضربُ السَّوطِ في الهواء، قال الفارابيُّ:"وقد يحدُثُ في الهواء وحده صوتٌ أيضًا، مِثْل ما يعْرِضُ متى قُرِع بالسِّياط، وذلك أنَّ الجزءَ من الهواءِ الذي يَقرعُه السَّوْطُ يقاوِمُ السَّوطَ ولا يَنْخَرِقُ له، بل يَبْقى مُجتَمِع الأجزاءِ مُتَّصِلًا، فيَقُومُ ذلك مقامَ النُّحاسِ وما أشبَهَهُ" [1] .

وتفسيرِ ذلك فيزيائيًّا أنَّ هذه الفرقَعَةَ الصوتيَّة الحاصلةَ من ضربِ السَّوطِ في الهواء ناتجةٌ عن تجاوز سرعة طرفِ السَّوط لسرعة الصَّوت في الهواء، فيتولَّدُ عن ذلك موجةٌ صدميَّة، وهي منطقةٌ من الطاقةِ الصَّوتيَّة المكثَّفة جدًا، ويُمكِنُ أن تُسبِّبَ دمارًا شديدًا لأيِّ شيءٍ تصطَدِمُ به، وتتوقَّفُ التأثيراتُ التدميريَّةُ بالطبعِ على شدَّة الموجة الصَّدميَّة. ويكون هذا التدمير شديدًا بوجهٍ خاصٍّ عند طيرانِ الطائرات فوق الصَّوتيَّة على ارتفاعاتٍ منخفضَة، حيث لا تَجِدُ طاقةَ الموجة الصَّدميَّة الفرصةَ لتشتُّتِها قبل ضربها للأرض [2] .

ويُمثِّل شكل رقم (43) اختراق حاجز الصَّوت من إحدى الطائرات الحربيَّة، ولاحِظ عمليَّة شقّ الهواء الذي شكَّل جدارًا متماسكًا إن صحَّ التعبير [3] ، وقارنه بحديث الفارابيّ الذي تقدَّم.

وقد شرحَ ابنُ سينا ظاهرةَ مقاومة الهواء والماء فقال:"وربَّما كانَ الجسمُ المقروعُ في غَايَةِ الرُّطُوبةِ [المُرونة] واللِّينِ، لكنَّه إذا حُمِل عليه بالقُوَّةِ وكُلِّفَ الهواءُ المُتَوَسِّطُ أن يَنْفُذَ فيه أو يَنْضَغِطَ فيما بينهما، لم يَكُن ذلك الجسمُ أيضًا بحيثُ يُمَكِّنُ الهواءَ المُتَوَسِّطَ أن يَنْفُذَ فيه، ويَشُقَّهُ في زمانٍ قَصِيرٍ، بل قَاوَمَ ذلك فَلَمْ يَنْدَفِع في وجهِ ذلك الهواءِ المُتَوَسِّطِ، بل وقاوَمَ القارِعَ أيضًا ـ لأنَّ القَارِعَ كان يَسُومُهُ انخِرَاقًا كثيرًا في زمانٍ قصيرٍ جِدًّا، وليسَ ذلكَ في قُوَّةِ القَابِلِ، ولا في قُوَّةِ الفَاعِلِ القَارِعِ ـ فامتَنَعَ من الانخِرَاق، فقَامَ في وَجْهِ القَارِعِ، وضَغَطَ معَهُ المُتَوَسِّطَ فكانَت المُقَاوَمَةُ فيه مَكَانَ الصَّلاَبَة."

وأنتَ تَعْلَمُ هذا إذا اعْتَبَرْتَ إمرَارَكَ السَّوْطَ في الماءِ بِرِفْقٍ، فإنَّهُ يُمْكِنُكَ أن تَشُقَّهُ شَقًّا مِن حَيثُ لا تَلْزَمُكَ فيهِ مَؤُونةٌ، فإن استَعْجَلْتَ استَعْصَى عَلَيكَ وقَاوَمَ، فالهَوَاءُ أيضًا كذلك، بل قَد يَجُوزُ أن يَكُونَ الهواءُ نَفْسُهُ يَصِيرُ جزءٌ مِنهُ مُقَاوِمًا، وجُزْءٌ بينَهُ وبينَ المُزَاحِمِ القَارِعِ مُنْضَغِطًا، بل يَجُوزُ أن يَصِيرَ الهواءُ أجزاءَ ثَلاَثَة:

جُزْءٌ مِنهُ قَارِعٌ كالرِّيحِ، وجُزْءٌ مُقَاوِمٌ، وجُزءٌ مُنْضَغِطٌ فيما بَيْنَهُمَا على هَيئةٍ من التَّمَوُّج.

(1) الموسيقى الكبير ص 213 - 214. وانظر ص 52.

(2) انظر: أساسيات الفيزياء لبوش وجيرد ص 570 - 573.

(3) انظر للتعرف على هذه الظاهرة كتاب: الفيزياء للأدباء ص 222 وما بعدها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت