وليسَتِ الصَّلاَبَةُ والتكاثُفُ عِلَّةً أوَّلِيَّةً لإحداثِ هذا التَّمَوُّجِ، بل ذلِكَ لَهُمَا من حيثُ يُعِينَانِ على المُقَاوَمَةِ، والعِلَّةُ الأوَّلِيَّةُ هِيَ المُقَاوَمَةُ. فالصَّوتُ يَحْدُثُ من تَمَوُّجِ الجِسْمِ الرَّطْبِ السيَّالِ مُنْضَغِطًا بَين جِسْمَينِ مُتَصَاكَّيْنِ مُتَقَاوِمَيْنِ مِن حيثُ هُو كَذلِك" [1] ."
وتكتفي الكتبُ الصوتيَّةُ القديمةُ والمعاصِرةُ بوَصفِ الجسمَين المُتَصَاكَّينِ أو عُضوي النُّطق المُلْتَقِيَين في الحديث عن مخارجِ الحروف دون أن تَتَحدَّث عن هيئة الهواء المنضغط بين الجسمَين المتقاوِمَين، إلاَّ ابنَ سينا، فإنَّه وظَّف بشكلٍ فريد المُعطَياتِ الفيزيائيَّة التي ذُكِرَت، ولم يَسبِقه أحدٌ إلى هذا التوظيف، بل ولا لَحِقَه فيما أعلم، وانظر مصطلح: (الرطوبة) .
استُعمِلَتْ عدَّةُ ألفاظٍ لوصفِ هيئةِ الهواء المقاوِمة والمنضغطةِ بين عُضْوَي النُّطْق، والتي يَخْترِقُها الهواءُ المندفِعُ من الرئتين فيتسبَّبُ في حدوثِ صوتِ الحرف، ومن هذه الألفاظ:
1 ـ (المقاوَمة) ، 2 ـ (الرُّطُوبَةُ) .
1 ـ المصطلح الأوَّل من مصطلحات المقاومة: (المُقَاوَمة) :
انظر: المقاومة التي تحدث في الأجسام.
2 ـ المصطلح الثاني من مصطلحات المقاومة: (الرُّطُوبَةُ) :
من المشتركِ اللَّفظيِّ. يدلُّ أصلُه اللُّغويُّ على خلافِ اليُبْس. رَطُبَ الشيء رُطُوبةً: نَدِيَ، وهو خلافُ اليابس الجافِّ. وشيءٌ رَطْبٌ ورَطيبٌ إذا كان مبتلاًّ أو رخْصًا لَيِّنًا.
استُعمِل لفظ: (الرُّطوبة) في أكثر من معنى، منها:
1 ـ البللُ الذي يصيبُ الأجسامُ فيصيرُ بها رطْبًا.
2 ـ من الطبائع الأربعة (الحرارةَ، والبرودةَ، والرُّطوبةَ، واليبوسةَ) المتمِّمةُ للعناصر الأربعة، أعني: الماء والنَّار والهواء والتراب.
3 ـ المُرونةُ التي هي من خواصِّ الأجسام بأنواعِها الثلاثة (الصُّلْبَةِ والسَّائِلةِ والغازِيَّة) ، ومعناها قَبُول الجسم للمؤثِّر ورجوعُه إلى طبيعتِه بعد زوالِه عنه، كالضَّغطِ على كُرةِ الاسفنج، وقبولِها ذلك، ثم رجوعِها إلى طبيعتِها بعد زوال ذلك الضَّغط، واستُعمِلت: (الرُّطوبة) بهذا المعنى في أكثر من مَوطن، منها:
1 ـ وصفٌ لمرونةِ بعضِ أعضاء النُّطق.
2 ـ وصفٌ لهيئةِ الهواء عند انضغاطه بين الجسمَين المتلاقيَين المتقاوِمَين.
(1) الشفاء قسم الطبيعيات الجزء السادس الخاص بالنفس ص 74 - 75.