أيضًا، ويَنْكَفئُ [يَعُودُ راجِعًا] فَيَصْدِمُ مِن خَلْفِه آخَرَ، ثمَّ يَنكَفِئُ أيضًا فيَصْدِمُ آخَرَ، ولا يَزَالُ هذا التدَاوُلُ حتى تَسْكُنَ حركتُهُ، فإنَّهُ تحدُثُ نغمَةٌ.
واشتراطُُ الفارابيِّ"الملاسَةَ"في الأجسامِ العاكِسةِ والرنَّانة فيه إدراكٌ خَطيرٌ ودقيقٌ لظاهِرَتَي الرَّنين والصَّدَى، فمهندسو الصَّوت يَعْلَمون جيدًا أنَّ"أكثرَ الأسطُحِ فعاليَّةً لعَكْسِ الصَّوتِ هي الأجسامُ الصُّلْبَةُ المَلْساءُ ذاتُ المَلْمَسِ القاسِي، مثل الجُدران والأسْقُفِ والأرضيَّات الصُّلْبَة. أمَّا الأجسامُ الطريَّةُ، وتلك التي تكونُ ذاتَ مَسَامٍّ كثيرةٍ مثل السُّجَّاد والسَّتائر وغيرها، فإنَّها تُعتَبَرُ عاكِساتٌ رديئةٌ للصَّوْتِ، فهي تَمْتَصُّ نسبةً عالِيَةً من الصَّوْتِ عبر مَسَامِّها" [1] .
ويمثل شكل رقم (51) ظاهرة انعكاس صوت دقات الساعة على سطح أملس، ومن ثمَّ سماعُها.
استُعمِل للتعبير عن ظاهرةِ انعكاس الصَّوت وتضاعفِه عدَّةُ مصطلحاتٍ، منها:
1 ـ (الصَّدى) ، 2 ـ (الدَّوِيُّ) ، 3 ـ (الطَّنين) ، 4 ـ (المُجَاوَبات) .
1 ـ المصطلح الأوَّل لانعكاس الصَّوت وتضاعفه: (الصَّدى)
من المشترك اللَّفظيِّ. قال الخليل:"والصَّدَى: الصَّوتُ بين الجَبَل ونحوِه يُجيبُكَ مثل صَوْتِكَ" [2] . وعرَّفه ابن جنيّ بأنَّه ما يُعارِضُ الصَّوت في الأوعية الخالية [3] . وسمَّاه بعضُ الشعراء: ابنةَ الجبَل [4] . وردَّة الصَّدى: ما يرتدُّ عليك من الصَّوت [5] . وجمعُ صدَى: أصْداء.
استُعمِل: (الصَّدى) في أكثر من معنى، منها:
1 ـ الزِّيادةُ في أصوات الحروف. 2 ـ صَوتُ الحرف. 3 ـ انعكاس الصَّوت وارتداده.
1 ـ المعنى الأوَّل لـ: (الصَّدى) = الزِّيادةُ في أصواتِ الحروف:
لمَّا كان الصَّدى هو ارتدادٌ للصَّوت وبالتالي تضاعفُه ساغ للعلماء أن يستَعملوه بمعنى الزيادة في صوتِ
(1) الفيزياء للأدباء ص 227.
(2) العين 7/ 139.
(3) الخصائص 2/ 93.
(4) العمدة لابن رشيق 2/ 188.
(5) أساس البلاغة ص 227.