فهرس الكتاب
ويَعِيبُ المُحْدَثون هذه الازدواجيَّة، ويَرَوْن التفريق واجبًا بين المنطوق والمكتوب، لكنَّ بعضَ المصطلحات العربيَّة التي قدَّموها أوقَعَتْهُم فيما هرَبوا منه، ومن أشهرِ هذه المصطلحات مصطلحُ: الصَّوت، وهو يُطلَقُ على أكثرَ من مَعْنى، منها الصَّوتُ المجرَّدُ، ومنها صوتُ الحرف، ولم يَخْلُ هذا المصطلح من نقدٍ [1] . أمَّا المصطلحات الأجنبيَّة كالفُونيم فهي مصطلحاتٌ غريبةٌ على اللُّغة، وليست في مجالِ البحثِ هنا، وإن أخذتْ بُعدًا صوتيًا معيَّنًا في علم الأصوات المعاصر.
ومع هذا فإنَّ المتقدِّمين استعملوا بعضَ الألفاظِ التي تدلُّ على إدراكِهم الفرق بين الصوت المنطوق والرَّسم المكتوب، كما سنلاحِظُه في بعض المصطلحات المستَعملَة لحروف الهجاء.
2 ـ المصطلحُ الثاني لأصوات الحروف: (النفَس) :
يدلُّ أصلُه اللُّغويُّ على خروجِ النَّسيم كيف كان، من ريحٍ أوغيرها، وإليه يَرجِع فروعُه. منه التنفُّسُ: خروجُ النَّسيم من الجَوف، ونَفَّس الله كُربتَهُ. وذلك أنَّ في خروجِ النَّسيم رَوْحًا وراحةً، والنَّفَسُ: كلُّ شيءٍ يُفَرَّجُ به عن مكروبٍ، وفي الحديث:"لا تَسُبُّوا الرِّيحَ فإنَّها من نَفَس الرحمن"، يعني أنَّها رَوْحٌ يُتَنَفَّسُ به عن المكروبين، وجاء في ذِكْرِ الأنصارِ:"أجِدُ نَفَسَ ربِّكُم مِن قِبَلِ اليمن"، يُرادُ أنَّ بالأنصارِ نُفِّسَ عن الذين كانوا يُؤذَونَ من المؤمنين بمكة [2] .
استُعمِل: (النَّفَسُ) في أكثر من معنى، منها:
1 ـ الهواء الذي يُتنفَّس. 2 ـ الهواء الفاعل لصَوت الحرف.
1 ـ المعنى الأوَّل لـ: (النَّفَس) = الهواء الذي يُتنفَّس
وهو الأصل فيه.
وصَفَ الخليلُ الهاءَ بأنَّها"نَفَسٌ لا اعتِيَاصَ فِيهَا" [3] .
ومثلُ ذلك وصَفها الكنديُّ حيث ذكَر أنَّ الهاء نفَسٌ يَخرُج من عُمْقِ الرئة [4] .
وشبَّه سيبويه الألف بمنزلة النفَس [5] .
ونقَل هذا التشبيه: الفارسيّ [6] ، وابن جنيّ [7] ، والدانيُّ [8] ، والقرطبيّ [9] .
(1) انظر: أعمال مجمع اللغة العربية بالقاهرة للدكتور محمد رشاد الحمزاوي ص 233 - 234.
(2) مقاييس اللُّغة ص 1003 (ن ف س) .
(3) العين 1/ 54. وانظر: 3/ 348 و 355 و 4/ 102.
(4) رسالة في اللُّثغة ص 524.
(5) الكتاب 4/ 335.
(6) الحجة 5/ 364.
(7) المنصف 2/ 44.
(8) التحديد في الإتقان والتجويد ص 120.
(9) الموضح في التجويد ص 97.