فهرس الكتاب

الصفحة 359 من 832

وقد جمَعَ الفرَّاء هذه الألفاظ الثلاثة في نصٍّ واحدٍ عند إجابته عن سبب رفع ما بعد: {المص} ، فقال:"رفعتُه بحروف الهِجاء التي قبلَه، كأنَّكَ قُلْتَ: (الألفُ، واللاَّمُ، والميمُ، والصَّادُ من حروف المُقَطَّع كِتَابٌ أُنزِلَ إليكَ مجموعًا) ."

فإن قُلْتَ: كأنَّك قد جعَلْتَ الألفَ، واللاَّمَ، والميمَ، والصادَ يُؤَدِّينَ عن جميع حروف المُعجَم، وهو ثلاَثةُ أحرفٍ أو أربعة؟

قُلْتُ: نعَم، كما أنَّك تقول: أ ب ت ث ثمانيةٌ وعشرون حرفًا، فتكتفي بأربعة أحرف من ثمانية وعشرين" [1] ."

واستَعمَل ابن دُرَيد أيضًا: (الحروفَ المُعجَمة) وتابعَه: الفارابيُّ [2] ، والهمَذانيّ [3] .

2 ـ المعنى الثاني لـ: (الحرف) = الصَّوت المنطوق:

لمَّا كان الصَّوت ينقطِعُ في أماكن محدَّدةٍ على طول مجرى النُّطق، ويتولَّد عند كلِّ نقطةٍ ينقطِعُ فيها صدىً معيَّنًا تُدرِكُه الأذن، سمّى المتقدِّمون الأوائلُ هذه الأصداءَ حروفًا؛ لأنها تُمثِّلُ حدودًا يَنقطِعُ الصَّوت عندها، وتقدَّم تعريفُ الحروف عند ابن جنيّ ومن تابعَه بأنَّها مقاطعُ تعرِضُ للصَّوت [4] .

وعرَّف ابنُ سينا الحرفَ بأنَّهُ: هيئةٌ للصَّوتِ عارضةٌ له يَتَمَيَّزُ بها عن صوتٍ آخرَ مثلِه في الحدَّةِ والثِّقَلِ تَمَيُّزًا في المسموعٍ" [5] ."

أمَّا معرفةُ من سمَّاها بالحروف، فالرِّوايات تتضارَبُ، ولا يوجَدُ روايةٌ واحدةٌ يُمكِن أن تطْمئنَّ إليها النَّفْسُ في أصل تسميتِها، ويُشبِه الحديثُ فيه الحديثَ عن أصل اللُّغة، وكذلك معرفةُ من سمَّى الألف ألفًا، والباءَ باءً ... أمرٌ دونه خَرْطُ القَتَادِ [6] .

ثمَّ بعد ذلك صُوِّرَت هذه الأصداءُ بصُوَرٍ كِتَابيَّة مبنيَّةٍ على اللَّفظ؛ لأن الخطَّ يأتي في مرحلةٍ لاحقةٍ عن اللَّفظ [7] ، واستُعمِل لها ذاتُ المصطلح الذي استُعمِل للصَّوت المنطوق، فغَدَا الحرفُ مشترَكًا لفظيًّا استُعمِل في معنيَين: الصَّوتِ المَنْطُوق، والرَّسْمِ المَكْتوب.

(1) معاني القرآن 1/ 368.

(2) إحصاء العلوم ص 60.

(3) التمهيد في معرفة التجويد ص 273.

(4) انظر مصطلح: (المقطع) .

(5) أسباب حدوث الحروف ص 60.

(6) مثلٌ من أمثال العرب. القتادُ: شجرُ له شوكٌ أمثال الإبَر. والخَرْطُ: قَشْرُك الورَق عن الشَّجر اجتذابًا بكفِّك. (لسان العرب 3/ 342، و 7/ 284) .

(7) انظر: سر صناعة الإعراب لابن جنيّ 1/ 44.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت