أمَّا الأفعال الحركيَّة فقد تقدَّم أنَّ الجاحِظ قال عنها:"وقد يتهدَّد رافعُ السيف والسَّوط، فيكون ذلك زاجرًا، ومانعًا رادعًا، ويكون وعيدًا وتحذيرًا. والإشارةُ واللَّفظ شريكان، ونِعم العونُ هي له، ونِعمَ الترجُمَان هي عنه، وما أكثرَ ما تَنُوبُ عن اللَّفظِ وما تُغْنِي عن الخطّ ... وفي الإشارة بالطَّرْف والحاجبِ وغير ذلك من الجوارحِ مَرفقٌ كبيرٌ، ومعونةٌ حاضرة، في أمورٍ يَسترُها بعضُ الناس من بعض، ويُخفونها من الجليس وغير الجليس، ولولا الإشارةُ لم يتفاهم الناسُ معنى خاصّ الخاصّ، ولجهِلوا هذا البابَ البتّة" [1] .
وقد أشار ابن جنيّ في أكثر من موضع إلى أنَّ العرب تستعين بنغمة الصَّوت في إفهام معاني الكلمات [2] ، غير أنَّ أصحاب المدرسة العقليَّة هم الذين بحثوا وفصَّلوا هذا الأمر كظاهرةٍ لها تقسيماتُها.
وسنرى أنَّ قضية رفعِ الصَّوت وخفضه للدلالة على معاني الكلام إنَّما هو أمرٌ قديمٌ عرَفَته الأممُ السابقة قبل العرب، وتحدَّثَت عنه، وإنَّ الادِّعاء بأنَّه قضيةٌ صوتيَّة حديثةٌ أمرٌ مجانبٌ للصَّواب بدليل ما سيأتي.
استُعمِل عدَّة ألفاظ للتعبير عن العوامل المساعدة المصاحبة للكلام من تمثيلٍ صوتيٍّ وحركيٍّ، ومن هذه الألفاظ:
1 ـ (الأخذ بالوجوه) 2 ـ (النَّبَرات، وشاركه النَّبْرَة) 3 ـ (توابع الألفاظ) ، 4 ـ (الألفاظ المُزَيَّنة) .
1 ـ المصطلح الأوَّل للانفعالات المصاحبة للكلام: (الأخذ بالوجوه)
استَعمل الفارابيُّ لفظ: (الأخذِ بالوُجُوه) ، وَعَزَاهُ إلى أرِسْطُو، ويَقْصِدُ به الأشياء المصاحبةَ التي تُساعِدُ الشاعرَ أو الخطيب أو المغنِّي على توصيل معاني ما يؤدُّونَه بواسطةِ الانفعالات الحركيةِ الجسديَّة، أو التغيير في الطبقة الصوتيَّة، فيما يُعرَف عند علم الأصوات المعاصِر في هذا الأخير بـ: (التنغيم INTONATION) .
ولفظُ: (الأخذ بالوجوه) هو ترجمةٌ للكلمة اليونانيَّة ( Q) ، بمعنى: (التمثيل، الإلقاء، العمل الخطابيّ) .
قال الفارابيُّ مبيِّنًا أثرَ تغيير طبقةِ الصَّوت في تفهيم معنى الكلام إن كان للسُّؤال أو التضرُّع أو غير ذلك:"فإنَّ كلَّ صنفٍ من أصنافِ الأقاويلِ لها أصواتٌ خاصَّةٌ إذا قُرِنَتْ بها قامتْ مقامَ بعضِ أجزاءِ القَولِ في تَخْييلِ ما يُقْصَدُ تخيُّلُه بالقَول."
مثالُ ذلك: التضرُّعُ، والحَثُّ، والسُّؤالُ، وما جانَسَ ذلك، فإنَّ كلَّ واحدٍ من هذه تُقْرَنُ بحُرُوفِهِ أصواتٌ مأخوذةٌ بأحوالٍ، فيُفهمُ عن تلك الأصواتِ ما يُفْهَمُ بالقَوْلِ أو ببعضِ أجزائه ... وهذه الأقاويلُ، ليسَ إنَّما تُقْرَنُ بها هذه الفُصُولُ من فُصُولِ الأصواتِ فقط، لكن تَقتَرِنُ بها أيضًا وقوفاتٌ وسكَناتٌ وتوصيلاتٌ عند
(1) البيان والتبيين 1/ 57.
(2) انظر: الخصائص 2/ 370، والمحتسب 1/ 55، و 146، و 258، و 2/ 208.