فهرس الكتاب

الصفحة 364 من 832

مقصودٍ مقصودٍ من المَقْصُوداتِ بالقَولِ، فتكون تلك إمَّا مُخيِّلةً أو مُعينةً على التَّخَيُّلِ. وهذه الوقوفاتُ هي جزءٌ من الذي يُسَمِّيه (أرسطوطاليس) : (الأخذَ بالوُجوهِ) " [1] ."

وكان ابنُ رشدٍ أكثرَ وضوحًا حين أسْهَب في شرحِ لفظِ: (الأخذ بالوُجوه) ـ وهو يشرحُ كلام أرسطو في الخطابة ـ قال:"وقَبْلَ أن نَقُولَ في الألفاظ فينبغي أن نقول في الأمور المستَعمَلة مع الألفاظ على جهة المعونةِ في جَودة التقسيم، وإيقاعِ التصديق، وبلوغِ الغرَض المقصود، وهي التي جَرَت عادةُ المتقدِّمين أن يُسمُّوها: (الأخذ بالوجوه) ."

وذلك أن هذه الأشياء لمَّا كان من شأنِها أن تُميل السامعين إلى الإصغاء، والاستماع، والإقبال على المتكلِّم بالوجْه، وتفريغِ النَّفْس لما يورِدُه استُعير لها هذا الاسم" [2] ."

ويُقَسِّمُ ابنُ رُشْدٍ هذه الأمورَ المساعِدة إلى أفعالٍ حركيَّة يقوم بها البدنُ أو جزءٌ منه كاليدَين، وأنغامٍ صوتيَّة [3] كترقيق الصَّوت وتغليظه، وذكَر أن هذه الأمور أكثر ما تُستعمَل في الخطَب والإلقاء [4] ، وسأسوق النصَّ على طوله لأهميته.

قال ابن رشد:"وهذه الأشياءُ صِنفان: إما أشكالٌ، وإما أصواتٌ ونغَم."

والأشكالُ منها ما هي أشكالٌ للبدن بأسرِه، ومنها ما هي أشكالٌ لأجزاء البدن كاليدَين والوَجهِ والرَّأس، وهذه هي أكثرُ استعمالًا عند المخاطَبة.

والأشكالُ ـ بالجملة ـ يُقصَدُ بها أحدُ أمرَين:

1 ـ إما تفهيمُ المعنى وتخيِيلُه المُوقِعُ للتصديق، كما رُوِي عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - أنَّه قال في آخر خطبةٍ:"بُعِثتُ أنا والسَّاعة كهاتَين"، وأشار بإصبعَيه يَقرِنُهما.

2 ـ وإما تخييلٌ لانفعالٍ مَّا أو خلُقٍ مَّا:

أ ـ وذلك إما في المتكلِّم، أعني: أن يتخيَّلَ فيه أنه بذلك الانفعال والخلُق، مثل: أن يتكلَّم مصفرَّ الوجه، منفعلًا بانفعال الخَوْف إذا أراد أن يُخبِر أنه خائفٌ، أو بتُؤَدَةٍ تُوهِمُ أنه عاقلٌ.

ب ـ وإمَّا في المخبِر عنه إذا أراد أن يصوِّرَه بصورة الخائف أوالعاقِل.

ج ـ وإمَّا أن يُوقِع ذلك الانفِعال في نفس السَّامع أو ذلك الخلُق حتى يَستعدَّ بذلك إمَّا نحو التصديق

(1) الموسيقى الكبير 1175 - 1176.

(2) تلخيص الخطابة ص 250.

(3) ويُسمَّى"التنغيم (intonation) "في علم الأصوات المعاصر، والغريبُ أنه قد اطَّرد لدى الدارسين المُحْدَثين من العرب أن العلماء المتقدِّمين لم يعرِفوا هذا النَّوع، ولم يبحثوه، ويرجع هذا التقرير إلى الفصل بين أجزاء التراث.

(4) أصحاب الفنِّ والتمثيل هم الذين يجسِّدونَ التمثيل الحركيّ والصوتي في زمننا الحاضر.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت