الواقع عن ذلك الانفعال أوالخلُق، وإما نحو الفعل الصَّادر عنه.
وأمَّا النغَمُ فإنَّها تُستَعمَل في القول الخطبيِّ لثلاثةِ أوجه:
أحدُها: عندما يريد المتكلِّمُ أن يخيِّل أنه بذلك الانفعالِ والخلُقِ عند السامعين، مثل: أنه إذا أراد أن يخيِّل فيه الرحمةَ رقَّقَ صوتَه، وإذا أراد أن يُخَيِّل فيه الغضبَ عظَّم صوتَه، وكذلك في الأخلاق.
وإنَّما كان ذلك؛ لأن هذه الأصوات توجَدُ بالطَّبعِ صادرةً من الذين يَنفعِلون أمثالَ هذه الانفعالات.
والوجهُ الثاني: أن يكون قصدُه تحريكَ السَّامعين نحوَ انفعالٍ مَّا أو خلُقٍ مَّا إمَّا لأن يصدرَ عنهم التصديقُ الحاصلُ عن ذلك الانفعال أو الخلُق أو الفعل الصَّادِرِ عنه.
والوجهُ الثالثُ: عندما يَقتصُّ عن مخبرين بأن يضعَهم بذلك الانفعالِ أو الخلُق.
ومنها أيضًا: أنها تستعمَل بضربٍ من الوزن في الكلام الخطَبيُّ على ما سيقال بعدُ. وهذا الضربُ من النَّغَم ضروريٌّ في أوزان أشعارِ من سلَف من الأمم ما عدا العرب، فإنَّ مَن سلَف من الأمم كانوا يزِنون أبياتَهم بالنغَم والوقفات، والعربُ إنَّما تزِنُها بالوقفات فقط. ومنها أيضًا أن تُستَعمل أشعارًا في افتتاح القول وختمِه ومواضعِ الوقف" [1] ."
ثمَّ يمضي ابنُ رشدٍ ليُقَرِّر أنَّ هذه التلوينات الصَّوتيَّة لا تصلُح في الخطبِ المكتوبة لكن المَتْلُوَّة، كما يقرِّرُ بكلِّ وضوحٍ أنَّها خاصةٌ بالسَّالفين من الأمم، قليلة الاستعمال عند العرب، بل لم تَجرِ به عادتُهم، قال:"وينبغي أن تَعلم أن: (الأخذَ بالوُجوه) ليس له غَناء في الخطبِ المكتوبة، وإنَّما غَناؤه في المتلوَّة. وإنَّ عادةَ العرب في استعمالِها قليلة. وأما مَن سلَفَ من الأمم، فرُبَّما أقاموها في الأشعار مقامَ الألفاظِ، أعني: التشكيلات، ويَحْذِفون اللَّفظَ الدالَّ على ذلك المعنى، إمَّا إرادةَ الاختصار، وإمَّا طلبًا للوزن والإلْذاذ. وهذا لم تَجرِ به عادة العرب. ولهذا صار ما يقولُ أرسطو في كثيرٍ من هذه الأشياء، كما يقولُ أبو نصر [2] ، غيرَ مفهومٍ عندنا ولا نافِع" [3] .
وقد حاول بعضُ المعاصِرين أن يُخضِع أداءَ القرآن الكريم لهذه التلوينات الصَّوتيَّة مدَّعِيًا التواترَ في ذلك، وأنتَ ترى أن نصَّ ابنِ رشدٍ واضحٌ تمامَ الوُضوح، ومؤدَّاهُ أن العرب لا تعرِفُ مثلَ هذه التلوينات في لغتِها. وما وُجِدَ من نصوصٍ قليلةٍ لبعضِ المتقدِّمين تُظْهِرُ أنَّ هذا الأمر لا يُشكِّل ظاهرةً أدائيَّةً كانت من قبل ثمَّ افتُقِدتْ، وأنَّ الذي اهتمَّتْ به العرب منذ الصَّدر الأوَّل هو مواضعُ الوقف والوصل كما تقدَّم في مصطلح: (المَقْطَع) في أحد معانيه.
(1) تلخيص الخطابة ص 250 - 251.
(2) أبو نصر الفارابيّ.
(3) تلخيص الخطابة ص 251 - 252.