وإذا كانت هذه التلوينات الصَّوتيَّة جائزةً في القرآن الكريم، أو قرئ بها، فلماذا لا تُتبَعُ بالتمثيلِ الحسِّيِّ لبعض أساليبِ الخطاب في القرآن الكريم، من حملٍ للعصا والتلويح بها عند قراءة قولِه تعالى: {وَأَهُشُّ بِهَا عَلَى غَنَمِي} ، أو بتقطيبِ الحاجِبَين وإظهارِ الغضَبِ والأسَفِ على الوجه عند قراءة قوله تعالى: {فَرَجَعَ مُوسَى إلَى قَوْمِهِ غَضْبَنَ أَسِفًا} فنَقُوم بتمثيلِ القرآن؟!
إنَّنا نُنَزِّهُ كتابَ الله عن قراءتِه بالأساليب الكلاميَّة التي يتَعامَلُ بها البشر؛ لأنَّه خطابٌ إلهيٌّ مُطلَقٌ صالِحٌ لكلِّ زمانٍ، فلا نأتي نحن ونقيِّده بأسلوبٍ تنغيميٍّ معيَّن نُلْزِمُ به النَّاسَ، وندَّعي أنَّه من المتواتِر.
وإذا كان النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم قد استَخْدَمَ التَّلْوينَ الحركيَّ ممَّا هو مناسبٌ لأسلوب الخطاب، لزيادة التفهيم أو التأثير في قلوب السامعين، كقوله: التقوى ها هنا .. التقوى ها هنا .. التقوى ها هنا"يعيدُها ثلاث مرَّاتٍ، ويُشيرُ بيده إلى صدره، وحرص الصَّحابةُ - رضي الله عنهم - على نقْلِ ذلك الفعلِ منه - صلى الله عليه وسلم -، ولم يُغفِلُوه، وهو حديثُه اليوميّ، فكيف الحالُ بهم إذا قُرِئَ بتلك الكيفيَّةِ الوحيُ المنزَّلُ من عند الله .. ؟!"
إنَّهم ـ لا شكَّ ـ سيكونون أشدَّ حِرْصًا على نَقْل ذلك، لكِن لم يصِل إلينا عن واحدٍ من الأئمَّة أن النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - كان يَرفَعُ صوتَه في مَوضِع ويخْفِضُه في موضعٍ آخر، ولأنَّهم نقَلوا عنه ما هو أدقُّ من ذلك وأخْطَر، ممَّا هو متعلِّقٌ بمقادير المدَّات الذي لا يكاد يُضبط.
2 ـ المصطلحُ الثاني للانفعالات المصاحبة للكلام: (النَّبَرات، النَّبْرَة)
استعمله من العلماء: ابن سينا، وابن رشدٍ [1] .
استَعمل ابنُ سينا مصطلح: (النَّبَرات) إشارةً إلى النَّغمات الصَّوتيَّة التي تُصاحبُ عمليَّة الكلام، لتخدِم أغراضًا معيَّنةً يريدها المتكلِّمُ، قال:"ومن أحوالِ النَّغَم: (النَّبَرَات) ، وهي هيئاتٌ في النَّغَمِ مَدِّيةً غيرَ حَرْفِيةٍ يَبْتَدِئُ [َيَخُصُّ كلَّ مَن يتكَلَّمُ] بِهَا تارةً، وتَخَلَّلُ الكلامَ تارةً، وتَعْقُبُ النهايةَ تارةً."
ورُبَّما تُكَثَّرُ في الكلامِ وربَّما تُقَلَّلُ ويكونُ فيها إشاراتٌ نحوَ الأغراضِ.
ورُبَّمَا كانتْ مُطْلَقَةً للإشباعِ، ولتَعريفِ القَطْعِ، ولإمهالِ السَّامِعِ ليَتَصَوَّر، ولتَفْخِيمِ الكلامِ.
وربَّما أُعْطِيَتْ هذه النَّبَرَاتُ بالحِدَّةِ والثِّقَلِ هيئاتٍ تَصيرُ بها دالَّةً على أحوالٍ أخرى من أحوالِ القائلِ أنَّه مُتَحَيِّرٌ، أو غَضْبَانُ، أو تَصيرُ به مُستَدْرِجَةً للمَقُولِ مَعَهُ بتَهديدٍ أو تَضَرُّعٍ أو غيرِ ذلك.
وربما صارت المعاني مختلفةً باختِلافِها مثل أنَّ النَّبرةَ قد تَجعَلُ الخَبَرَ استفهامًا والاستفهامَ تعجُّبًا وغير ذلك. وقد تُورَدُ للدَّلالَة على الأوزانِ والمُعَادَلَة، وعلى أنَّ هذا شرطٌ، وهذا جزاءٌ، وهذا محمولٌ، وهذا
(1) تلخيص الخطابة ص 283 و 285.