القرآنيِّ الذي نسمَعُهُ من مجيدي القراءة، وما يَعرِفُه دراسو التجويد والقراءات اليوم.
فالأصواتُ التي يقرؤها القرَّاءُ ويُجرُون معها هواء النَّفَسِ وصلًا ووقفًا هي المجموعة في قول: (فَحَثَّهُ شَخْصٌ سَكَت) . ويَمْنَعون هواءَ النَّفَس الكثيرِ من الجريانِ في باقي الأصوات.
ومع الأسف لم يلتَفِت الدارسونَ من أصحاب الدَّرس الصَّوتيّ المعاصِر إلى هذا الجانب النَّفَسيِّ، وترتَّب من جرَّاء ذلك أن اختلفوا مع سيبويه في ثلاثة أصواتٍ شديدةٍ عدَّها من المجهورات، ولا يُشكِّلُ عنصرُ النَّفَسِ جزءًا منها؛ لأنَّه لمَّا جرَّبَها مع الحركة لم يَجْرِ معها هواءُ النفَس ـ بحسب ما سَمِعه من نُطقِ العرب ـ فحكمَ عليها بالجهر، وهي القاف والطاء والهمزة.
أمَّا الدارسون المعاصِرون فلأنَّهم لا يعتدُّون بالحركة ويَطلبُون الاستقلاليَّةَ التامَّةَ للصَّوتِ وجدوا أنَّ هذه الثلاثة الأصوات لا تَهتزُّ معها الأوتار الصَّوتيَّةُ أثناء انحباسِها، فحكَموا عليها بالهمسِ كما سيأتي في معنى مصطلح: (الهمس) عند المعاصِرين.
4 ـ الجهة الرَّابعة: الوقفُ على الحرف المجهورِ والمهموس:
تحدَّث سيبويه عن الوقف على الأصوات المجهورة والمهموسة في موضعٍ استَعملَهُ لبيانِ ما يَلْحقُها من متمِّماتٍ عند الوقف وما لا يَلْحَقُها مِنْها، وجعَل ذلك مُلْحقًا بالباب الكبير الذي سمَّاه: (هذا بابُ الوَقْفِ في آخرِ الكلمِ المُتحرِّكةِ في الوَصْل) [1] . واستَعمل لذلك مصطلح: (المُشربة) .
ومن الأهمِّية بمكانٍ لفهم هذا المَوضعِ استصحابُ قَولِهِ في العنوان: (المتحرِّكة في الوصْلِ) ، وإليك القصَّة:
أظنُّ أنَّ فكرة سيبويه تقومُ في هذا الموضع على مبدأ ماذا يَلحقُ أصوات حروف اللُّغة العربية من متمِّماتٍ طبيعيَّة لها عند الوقف، وذلك بعد أن ذكَر الوقف بالسكون والرَّوم والإشمام ونقل الحركة ... الخ، وهذه المتممات تَلحق الأصوات المجهورة والمهموسة على السَّواء، وإليك البيان:
1 ـ الحروف المجهورة عند الوقف:
استَعمل سيبويه في هذا الموضع مصطلح: (المُشربة) . وقد تقدَّم أنَّ الخليلَ استَعملَ: (الإشراب) في تعريفِ الهمسِ، وقال فيه إنَّ المهموس"لا إشْرَابَ لَهُ مِن صَوْتِ الصَّدْر" [2] .
ويعنى ذلك في المُقابلِ أنَّ الأصواتَ المجهورةَ مُشْرَبةٌ بصَوتِ الصَّدْر.
(1) الكتاب 4/ 166. وفرَّع سيبويه عن هذا الباب ـ وقبل الحديث عن الحروف المُشربة ـ بابَين هما: (باب الوقف في آخر الكلم المتحرِّكة في الوصل التي لا تَلْحقُها زيادةٌ في الوقف) ، و (باب الساكن الذي يكونُ قبل آخر الحروفِ فيُحرَّكُ لكراهيتهم التقاء الساكنَين) .
(2) العين 4/ 10.