فهرس الكتاب

الصفحة 382 من 832

ومِن هنا لقَّب سيبويه الأصواتَ المجهورةَ بـ: (المُشْرَبة) ، وجعَل ذلك مُلْحقًا بالباب الكبير الذي سمَّاه: (هذا بابُ الوَقْفِ في آخرِ الكلمِ المُتحرِّكةِ في الوَصْل) [1] . وهو من المواضعِ الدَّقيقةِ التي تَكشِفُ عن علاقةِ كلام سيبويه في الكتاب مع كلام أستاذه الخليلِ في العين الذي تقدَّم قبلُ في تعريفه للهمس.

قال سيبويه:"واعلمْ أنَّ من الحروفِ حروفًا مُشربةً ضُغِطتْ مِن مواضِعِها ... وذلك القاف والجيمُ والطاءُ والدالُ والباء ... ومِن المُشربةِ حروفٌ إذا وقَفْتَ عندها خَرَجَ معَها تحوُ النفخةِ ... وهي الزَّايُ والظاءُ والذَّالُ والضَّادُ ... ومِنها حروفٌ مُشربةٌ لا تَسْمَعُ بعدَها في الوَقْفِ شيئًا مِمَّا ذكَرْنا ... وذلك اللام والنُّون ... وكذلك الميم ... وكذلك العينُ والغينُ والهمزةُ ... والرَّاءُ نحو الضَّاد" [2] .

فذَكَرَ ستةَ عشرَ صوتًا صحيحًا مجهورًا لقَّبَها بالمُشْرَبةِ، وذكَر من هذه الستة عشرَ تسعةَ أصواتٍ لها متمِّماتٌ يستَعمِلُها العربُ عند الوقف عليها؛ خمسةٌ منها تُضغطُ في مخارجِها ويَلْحَقُها صُويتٌ، وهي حروف القلقلة (ق ط ب ج د) ، وأربعةُ أصواتٍ تَجِدُ منفذًا لصَوتِها سمَّاهُ: نحو النَّفخة، وهي: (ظ ذ ز ض) . أمَّا باقي الأصوات الصحيحة المجهورة فلا يَلْحقُها شيءٌ من صُويتٍ أو شبه نفخٍ عند الوقف عليها.

وهذه الأصوات تهتزُّ معها الأوتارُ الصَّوتيَّةُ إذا أخَذْنا بالاعتبار كلَّ مراحلِ الصَّوتِ، إلاَّ في صوتٍ واحدٍ نبَّه عليه سيبويه وهو الهمزة، فهي من الحروف الشديدة لكنَّها لا تَمْلِكُ مرحلةَ إطلاقٍ بعد الحبس عند الوقف عليها كما ملَكَتْهُ حروفُ القلقلة، ولذلك وصَفَها سيبويه بأنَّها أخفى الحروف في الوقف [3] ، ممَّا يزيد تأكيدًا بأنَّ جَعْلَهُ إيَّاها من المُشربةِ (المجهورة) محمولٌ على حال التحرُّك.

ويَشهدُ كلامُ سيبويه في الهمزة لنُطق القرَّاء المجيدين اليوم في كَونِهم لا يُتْبِعون الهمزةَ الساكنة في الوصلِ أو الوقف بشيءٍ من قلقلة أو نفَس، بل يُقَوُّون الضَّغط على ما قبلَها حتى يَظهرَ صوتُها.

ويُمثِّل شكل رقم (53) امتناع إتباع صوت الهمزة بقلقلة أو نفَس عند القراء في الوقف على الكلمة القرآنية: {مَن نَّشَاء} ساكنة الهمزة. لاحِظ منحنى الشدَّة في أسفل الرسم الطيفيّ، وتتبَّع سيرَ حرف المدّ

(1) الكتاب 4/ 166. وفرَّع سيبويه عن هذا الباب ـ وقبل الحديث عن الحروف المُشربة ـ بابَين هما: (باب الوقف في آخر الكلم المتحرِّكة في الوصل التي لا تَلْحقُها زيادةٌ في الوقف) ، و (باب الساكن الذي يكونُ قبل آخر الحروفِ فيُحرَّكُ لكراهيتهم التقاء الساكنَين) .

(2) الكتاب 4/ 174 - 175.

(3) الكتاب 4/ 177.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت