وبقراءة هذه المصطلحات جميعًا نَخلُصُ إلى أنَّ الصوت الشديد عند سيبويه لابدَّ أن يتوفَّر فيه شرطان:
1 ـ لُزُومُ العُضوِ النَّاطِقِ مَوْضِعَهُ، بحيث يَقف كالسَّدِّ والجدار أمام الصَّوت.
2 ـ منع الصَّوت من الجرَيان.
ويُوضِّح شكل رقم (56) شدة الجيم والكاف، ولاحظ منع المخرج للصَّوت من المرور.
ونلاحِظ أنَّ المثالَ الذي أتى به سيبويه لوصفِ هذا الاحتباس ـ في التعريف ـ هو صوتُ الجيم، فلا يَدخُل في هذه المرحلة صفةُ القلقلة، ولا صفةُ التركيب التي يريدها بعضُ المعاصرين له؛ لأنَّ هاتَين الصِّفتَين إنَّما توجَدان لحظةَ انفتاح مخرجِ الجيم [1] .
وقال المبرِّدُ عن الحروف الشديدة بأنَّك"إذا لفَظْتَ بها لم يَتَّسِع مخرجُ النَّفَسِ معها" [2] .
وقد ذكَرْتُ في مصطلح: (النَّفَس) أنَّ من العلماء مَن استعمله بمعنى الهواء الفاعل للصَّوت، فلعلَّه كذلك، والله أعلم.
وذكَر مكيٌّ أنَّ الشدَّة من علامات قوَّة الحرف [3] .
وعرَّفَ أبو البركات ابن الأنباريّ الحروفَ الشديدة بأنَّها:"حروفٌ صُلْبَةٌ لا يَجري فيها الصَّوتُ" [4] . فاستَعمل مصطلح (الصَّلابة) ، وسيأتي الحديث عنه.
عدَّ سيبويه ثمانية أصوات شديدةٍ ـ كما في تعريفه ـ جمَعها بعضُ العلماء في عبارات ليَسهل حفظُها، ولخَّصها أبو العلاء الهمَذانيُّ بقوله:"وهي ثمانية أحرفٍ يَجمعها قولك: أَجَدتَ طَبَقَك، وأجِدُكَ طَبَّقتَ، وأتُطبِقُ جَدَّكَ، وأطْبَقْتُكَ جدًّا، وأَطَقْتُ جَدْبَكَ" [5] .
(1) أثبتُّ في رسالة الماجستير وجودَ أثرٍ احتكاكيٍّ عند انفتاح مخرج الجيم. وبيَّنت أن هذا الأثر أبطأ من سرعة انفتاح المخرج. (راجع ص 144 وما بعدها) . لكن تبقى صفة اعتبار الصوت مركَّبًا أم غير مركبٍ هي الناحية الأهم في الموضوع، خاصة وأنَّ بعض الصوتيِّين المعاصرين يرفضون الاعتراف بالطبيعة المركَّبة لمثل هذه الأصوات، منهم ماريوباي (انظر: الدراسات الصوتية عند علماء التجويد ص 284) .
(2) المقتضب 1/ 331.
(3) الرعاية ص 117.
(4) أسرار العربية ص 210.
(5) التمهيد ص 280.