فهرس الكتاب
فوافَقت بذلك أحد شرطَي الرِّخوة، أعني الجَرَيان، وإن كانت خَالَفتها ـ أيضًا ـ في عدم تجافي العضوِ الناطِقِ عن مخرجِه، فهي عكسُ العَينِ في ذلك. وهذا الذي يَجعلُني أرجِّحُ أنَّ حروف (بين الرِّخوة والشديدة) عند سيبويه لا تَقتصِرُ على العَين وحدها، بل تَشمَلُ هذه الأقسام الثلاثة. ولك أن تختَبِر صحَّةَ هذا من كلام سيبويه نفسِه، قال عن هذه الأقسام الثلاثة بادئًا باللاَّم، ثم الميم والنُّون، ثم الرَّاء:"ولم يَعتَرِض على الصَّوتِ كاعتراضِ الحروف الشديدةِ، وهو اللاَّمُ. وإن شئتَ مدَدتَ فيها الصَّوتَ."
وليس كالرِّخوةِ؛ لأنَّ طرفَ اللِّسان لا يتَجَافى عن مَوضعِه.
ومنها حرفٌ شديدٌ يَجري معه الصَّوتُ؛ لأنَّ ذلك الصَّوتَ غُنَّةٌ من الأنف، فإنَّما تُخرِجُهُ من أنفِكَ واللِّسانُ لازِمٌ لمَوضعِ الحرف؛ لأنَّك لو أمسكتَ بأنفِكَ لم يَجْرِ معه الصَّوتُ. وهو النُّون، وكذلك الميم.
ومنها المُكَرَّرُ، وهو حرفٌ شديدٌ يَجري فيه الصَّوتُ لتكريرِه وانحرافِه إلى اللاَّم، فتَجافى للصَّوتِ كالرِّخوة، ولو لم يُكَرَّرْ لم يَجرِ الصَّوتُ فيه، وهو الراءُ" [1] ."
ويُمثِّلُ شكل رقم (59) الحروف الأربعة التي بين الرخوة والشديدة بشكلٍ تقريبيٍّ، ولاحِظْ لزوم العضو النَّطق مخرجه، وجريان الصَّوت من مكان آخَر، وتمثِّل المنطقة الزرقاء الفاتحة منطقة انتشار الصَّوت.
حافَظَ العُلَمَاء بعد سيبويه على لَفْظِ (بين الرِّخوة والشديدة) أو قريبٍ منه، لكنَّهم توسَّعوا في حروفه ومفهومه كما يلي:
1 ـ الفريقُ الأكثرُ جمَعَ كلّ الحروف التي ذكرها سيبويه بعد الرِّخوة والشديدة جميعًا في سلَّة واحدةٍ، (وهي العين واللام والنون والميم والراء والألف والواو والياء) ، على أساس أنَّها قسمٌ ثالثٌ مُلْحَقٌ بالشَّديدةِ والرِّخوةِ، منهم: المبرِّدُ، وعدَّها شديدةً في الأصل، لكن يَجري فيها الصَّوتُ لكَونها تستعين بصوت ما جاوَرَها من الرِّخوة [2] .
وهذا من المواضعِ المُشْكِلة؛ إذ كيف تكون حروف المدِّ شديدةً، وكيف تستعين بصوت ما جاورَها؟ وكيف تستعين العينُ بصوت الحاءِ؟ واللاَّم والرَّاء بأيِّ شيءٍ يستعينان؟
(1) الكتاب 4/ 435.
(2) المقتضب 1/ 331.