فهرس الكتاب
5 ـ نَقْلُ العالِم عبارةَ مَن تَقَدَّمَهُ بألْفَاظِه:
وهذا من المواضع المُشْكِلَةِ جدًا والتي توهِمُ قِدَم بعضِ الألفاظ، وهذا راجعٌ إلى نقل العالم معنى عبارةِ مَن تقدَّمهُ دون نصِّها، فمن ذلك قولُ المبرِّد عن سيبويه فيما تُدغمُ فيه النُّون الساكنة:"وزَعَم سيبويه أنَّها مع ما تُدغَمُ فيه مخرجُها من الفَم لا من الخياشيم؛ لأنها لو كانت تُدغَمُ في حروفِ الفمِ وهي من الخياشيم ـ مع تباعُد ما بينهما ـ لجازَ أن يُدغَمَ الأبعدُ في الأبعَدِ، وهذا نَقْضُ البابِ والخروجُ من المعقول" [1] .
وعبارةُ سيبويه في الكتاب:"وهي مع الرَّاء واللاَّم والياءِ والواوِ إذا أدْغَمْتَ بغُنَّةٍ، فليس مخرجُها من الخياشيم، ولكنْ صوتُ الفم أُشْرِبَ غُنَّةً. ولو كان مُخْرَجُها من الخياشيم لَمَا جاز أن تُدْغِمَها في الواوِ والياءِ والرَّاءِ واللاَّم حتى تَصير مِثْلَهُنَّ في كلِّ شيء" [2] .
ومثلُ ذلك ما استَعمله أبو جعفر النحَّاس في وصف الضَّاد، ناسبًا ذلك إلى الخليل وسيبويه، قال:"وزعَم الخليلُ وسيبويه أنَّ الضادَ تَخرُجُ من الشِّقِّ اليمين، ولبعضِ الناسِ من الشِّقِّ الشِّمال" [3] .
وهذا القول أصلُه لا ألفاظُه في كتاب سيبويه [4] ، ومن عادة أبي جعفر النحاس أن يَجْمَعَ اسمَ الخليلِ مع سيبويه إذا كان القولُ لسيبويه على اعتبار أنَّ الكتاب من علم الخليل. وسيبويه لم يَستعمل أبدًا في وصفه للضاد لفظَ: (الشِّق) بل استعمل: (الحافَّة والجانب) .
6 ـ عيوب طبعات الكتب التراثيَّة:
عيوبُ الطبعاتِ التي تَخرُج بها كتبُ التراث، وخطر الطبعات التجارية، يُوهِمُ ويُحَرِّف المصطلح، وأذكُر مثالًا على ذلك أنِّي وجدتُ في أحد الكتب المطبوعة قولًا منسوبًا إلى التابعيِّ الجليل الإمام إبراهيم النَّخَعيّ (ت 96 هـ) : (أنَّ الفتحةَ نِصفُ الألف) ، وأذكُر أنِّي احتَفَلْتُ بهذا النصِّ جدًا، وعَجِبْتُ من هذا الفهمِ الدَّقيق في تلك المرحلةِ المُبَكِّرة، ولَكَم خاب أملي حين راجعتُ النصَّ على طبعةٍ أخرى، فإذا هو مكان (نصف) : بِنَصْبِ الألف، يعني بفتح الهمزة، وهو مصطلحٌ قديمٌ مشهورٌ للتعبير عن الفتحة.
قال الشيخ محمد محي الدين عبد الحميد في مقدِّمة كتاب العمدة لابن رشيق القيروانيّ:"وهذه العيوبُ فاشيةٌ في مطبوعاتنا العربية وقلَّما يخلو منها ـ مع الأسفِ الذي يَقْطَعُ نِيَاطَ قلوبنا ـ كتابٌ من كتبِ هذه اللُّغةِ المسكينة، وبخاصةٍ كتبُ أسلافِنا المتقدِّمين، وليس من عِلَّةٍ لانصرافِ الناشئةِ العربيةِ ـ فيما نعتقد ـ عن هذا التراثِ الثمين إلا هذا التشويهُ الغريبُ الذي يُظْهِرُ الناشرون عليه كتبَ آبائنا الذين لم يُقَصِّروا في تَوريثِنا أعظمَ تراثٍ علميٍّ، ولم يَأْلُوا جهدًا في تبرئة أنفسهم مما جعل الله في أعناقهم من ميثاق العلم أن يُبَيِّنُوه"
(1) المقتضب 1/ 356.
(2) انظر: الكتاب 4/ 454.
(3) إعراب القرآن 4/ 171.
(4) الكتاب 4/ 432.