فهرس الكتاب
الزايُ فتخالِفُها في الجهر، والانفتاح. والظاءُ يشاركُها: الذَّال والثاء، والأقربُ إليها الذَّالُ لاشتراكهما في كلِّ الصفات غير الإطباق، أمَّا الثاءُ فتخالِفُها في الهمس، والانفتاح. والطاءُ يشاركُها: الدَّال والتاء، والأقربُ إليها الدَّالُ لاشتراكهما في كلِّ الصفات غير الإطباق، أمَّا التاءُ فتخالِفُها في الهمس، والانفتاح.
وقد أشكَل هذا الأخيرُ على كثيرٍ من المعاصِرين الدارسين لعبارة سيبويه، واتَّخذَها بعضُهم ذريعةً للتشكيكِ في صوتِ الطاء؛ إذ فَهِموا من عبارتِه اتحادَ هويَّتَي الطاء والدال في السَّمع بلا إطباق، فإذا زال إطباقُ الطاء سينقلبُ الحرفُ دالًا، وبالتالي وجَدوا أنَّ الطاءَ الحاليَّة التي تُسمَع من القرَّاء لا تَصْلُح نظيرًا مُطْبَقًا للدَّال، فأخذوا يتخيَّلون نظيرًا لها، فقادتْهُم تخيُّلاتُهم إلى الضَّادِ الأسنانيَّة الحديثة (الدال المفخَّمة) [1] ، ولا نجِدُ أحدًا منهم يَضَعُ احتمالَ الخطأِ منه في فهمِ عبارة سيبويه، أو يُدرِكُ خطرَ الانجرارِ وراء هذا الوهمِ الذي يمَسُّ صوتًا من أصواتِ القرآن؛ لأنَّ هذا الأصلَ الذي أرادوه للطاء، أعني الدالَ المفخَّمةَ، سيرتَّبُ عليه ـ لو قرئ به ـ تغييرٌ كبيرٌ للمعنى في مثل قوله تعالى: {وَأَطِيعُوا الله وَرَسُولَهُ إن كُنتُم مُّؤمِنينَ} ، وبعيدٌ جدًا أن لا يَلْحَظَ المتقدِّمون هذا التغيُّرَ مع شدَّة عنايتِهم ـ على مرِّ العصور ـ في المحافظة على الصورة الأدائيَّة الأولى المتلقَّاة من فم النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -، ورصْدِهِم ما هو أدقّ من ذلك ممَّا هو متعلِّقٌ بمقادير المدَّات، فكيف الحال بما يكونُ له تأثيرٌ في معانى الكلمات؟!!
وهذا الوهمُ الكبيرُ من المعاصِرين رَاجِعٌ إلى تحريفٍِ مَغلُوطٍ لدلالة الهمسِ، واعتقادٍ راسخٍ منهم باتِّفاق الدَّلالةِ بينهم وبين المتقدِّمين فيه.
وليس قربُ الصَّوت من الصَّوت يستلزِمُ اتِّحادَ هويَّتَيهما في السَّمع، قال سيبويه عن قُربِ الرَّاءِ من اللام، والطاءِ من الدَّالِ:"لأنها [أي: الراء] أقربُ الحروفِ إلى اللاَّم وأشبهُها بها، فضارَعَتا الحَرفَين اللَّذَين يَكُونان مِن مخرجٍ واحدٍ؛ إذ كانتِ اللاَّمُ ليس حرفٌ أشبهَ بها مِنها ولا أقربَ، كما أن الطاءَ ليس حرفٌ أقربَ إليها ولا أشبهَ بها من الدَّال" [2] .
فشدَّةُ القُرْبِ بين الراء واللام ـ وهما مرقَّقان ـ لم تَستلزِمْ اتحادَهما في السَّمع، كذلك حال الطاءِ عند زوالِ الإطباق لا يَستَلْزِمُ اتِّحادَها مع الدالِ في السَّمع، وإن أوهَمَتْ عبارةُ سيبويه ذلك.
وعلى الباحثين المعاصِرين الذين يعتقدون بالدَّال المفخَّمة أن يُفسِّروا لنا ـ في ضوء كلامِهم ـ معنى كلامِ ابنِ جنيّ عن الفرق في الزَّمن بين حبستَي الطاءِ والدالِ في قوله:"وقالوا: (قطَّ الشيءَ) ، إذا قطَعَه عرْضًا، و (قدَّه) ، إذا قطَعَه طولًا، وذلك لأنَّ مُنقَطَعَ الطاءِ أقصَرُ مدَّةً من مُنقطَعِ الدَّال" [3] ،
(1) انظر: دروس في علم أصوات العربية لكانتينو ص 51، والأصوات اللُّغوية لإبراهيم أنيس ص 62، ومناهج البحث في اللُّغة لتمام حسان ص 122، والمدخل إلى علم اللُّغة لرمضان عبد التواب ص 75.
(2) الكتاب 4/ 457.
(3) الخصائص 1/ 66.